هذا هو النور

عبد الجابر حبيب

حين تكثرُ العتماتُ في طرقاتِ الأوطان، ولا يبقى للضوء من ملجأ سوى وجوه الصالحين، تنهضُ الكلماتُ من حناجرٍ طاهرةٍ لتردّ على الموتِ بالحياة، وعلى الفتنةِ بالحكمة، وعلى الغضبِ بسكينةِ الصادقين.

ها هم مشايخ الشام الأربعة، مناراتُ الحلمِ في زمنٍ أضناهُ الهذيان، يصدحون من قلوبٍ اعتادت أن تسجد لله لا للطغاة، يكتبون بمداد النُّصحِ على جبين الوطن، وينادون أبناءه من كل طائفةٍ ومذهبٍ ودربٍ ولون:

قفْ أيّها السوريُّ، فإنك توشكُ أن تُغرقَ وطناً بأكمله في قطرةِ حقد!

أسامة عبد الكريم الرفاعي، محمد راتب النابلسي، أحمد معاذ الخطيب، محمد كريم راجح—أطال الله في أعمارهم—لم يخاطبوا جمهوراً، بل ضمائرَ أُمَّة، ولم يُلقوا خطباً، بل أنقذوا ما تبقى من ماء الروح. كانت كلماتهم كأنها نُسجت من نور، وشُحنت بمسك الصحوة، فاستفاق من كان نائماً على سرير العصبية، وفركَ قلبه من بقايا الحقد، من كان يتوضأ بالكراهية.

الحكمة في إطفاء النار لا في جلب الحطب لزيادة رقعة الفتنة:

قالوا: لا للثأر… لا للانتقام… لا لسفكِ الدمِ بدمٍ.

إن في الثأرِ عبوديةً لشيطانٍ قديم، وفي العفوِ عتقٌ من نارٍ توشك أن تأكلنا جميعاً، مسلمين ومسيحيين، علويين ودروزاً، سنةً وغيرهم… نحن في النهاية لُحمةٌ واحدة، إن احترقَ طرفها سقطت كلها.

دمُ السوريِّ حرام…

قالوها ثلاثاً، لا ترديداً، بل قسماً مغلّظاً في زمنٍ ذابت فيه المحرمات، وانسكبَ فيه الدم كأنّه ماءٌ لا وزن له.

عرضُ السوريِّ حرام، مالُه حرام، كرامتُه فوق الطوائف، فوق الرايات، فوق الألقاب. فوق السقوط في بركان السخرية من الآخر.

وحدها الدولةُ العادلةُ يحقُّ لها أن تردَّ المظالم، لا الغاضبون الحائرون، لا السلاح المنفلت من عقلٍ قد أعمته شهوةُ القصاص، وفكر تعفن في كهوف الجاهلية

ما أبهى ذلك السوري الذي من خرج من رحمِ الشامِ لا من بطنِ طائفة، المدرك جيداً أن يدَ الفتنة لا تمنح خبزاً، بل ترمي الجمر، ويعرف أن من يسخرُ من جاره، إنما يضحكُ على مرآته، فالكلُّ في هذا البلاءِ سواء.

 ليس عدو السوري ابن طائفةٍ أخرى، بل هو الجهلُ إذا تسلّل إلى عقله، والظلمُ إذا سكنَ بيته، والفقرُ إذا جفّفَ طعامه، والطغيانُ إذا أُلبسَه جلداً ليس له.

قالوا: توقّف عن نشرِ الحقد.

وإن كنت تظنُّ أن التفاعلَ مع منشورٍ تحريضيّ هو ضربٌ من المقاومة، فأنت تفتحُ باباً للخراب، ولو شتمته. كلُّ حرفٍ في فتنةٍ هو مسمارٌ في نعشِ وطنٍ تتصدّعُ أضلعه.

قالوا: لا تزرُ وازرةٌ وزرَ أخرى.

قالوا: العلوي ليس قاتلاً، المسيحي ليس غريباً، الدرزي ليس عدواً، السني ليس ملاكاً، كلّنا بشر، والخطيئة فرديّة، لا جماعيّة، وإن تحولت إلى جماعيّة، فالمسؤول وحده يخترق قانون الحياة إن لم يبسط العدل ظله فوق أبناء الوطن.

وما أعذبَ أن تعودَ إلى روحِ محمدعليه السلام، إلى خُلقه، لا إلى جُرحكَ الغائر.

فمحمدٌ لا يُعلّم الانتقام، بل يُعلّم العفو، لا يشعلُ حرباً، بل يُطفئها بيده.

اقتدِ به، تكنْ نبيلاً، تكنْ إنساناً، تكنْ سوريّاً حقّاً، لا دميةً على خشبةِ فتنةٍ تحرّكها أيدٍ من وراءِ الشاشات.

أيّها السوريّ أينما كنت…

افتح قلبك لا لتستقبل الكراهية، بل لتخرجها، اغسل روحك من أدرانِ السنين السود، وامشِ في أرضِ الشام وأنت تقول:

لن أكون حطباً في نارِ الطاغية.

لن أكون سيفاً في يدِ الجهل.

سأكون شجرةً تنبتُ من رماد الحرب، تُظلّلُ الجميع، وتثمرُ رجاءً.

يا شام، يا وجعاً يسكنُ الأرواح،

يا أبناء سورياعودوا إلى بعضكم، قبل أن تبكوا على بعضكم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…