الوفد الكردي وبداية المهمة الشاقة

مصطفى عبد الوهاب العيسى

 

وا آسفاه على الضياع الذي نعيشه ، وعلى إعلام بات يستضيف من لا دراية لهم ليتصدَّروا الشاشات ويتناولون الشأن السياسي وتطورات المنطقة وأوضاع القضية الكردية ، وهم لا يُفرقون بين الهياكل والمجالس والمنظمات ، ولا يزالون حتى اللحظة يخلطون بين الإدارة الذاتية ، وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) ، ومجلس سوريا الديمقراطية (مسد) ، والوفد الكردي الذي تشكل مؤخراً .

بداية ، لا بُدَّ أن يُدرك كل من يرغب بالخوض والنقاش في القضية الكردية – سواء كان مناصراً لها أو معادياً – أن وجود نفوذ لحزب كردي ضمن مؤسسات الإدارة الذاتية ، أو تولي شخصية كردية كالسيد مظلوم عبدي قيادة قوات سوريا الديمقراطية ، أو ما شابه ذلك لا يعني مطلقاً أنهم مُخوَّلون بطرح القضية الكردية والتفاوض بشأنها نيابة عن عموم الكورد ، وأيُّ سلوك إيجابي بدر من هذه الجهات خلال السنوات الماضية وأسهم في الدفع بعدالة القضية الكردية ، فهو سلوكٌ يُقدَّر ويُحترم من قبل أنصار هذه القضية ، أما ما كان من ممارسات سلبية أو خاطئة فإنما ينعكس أثره على تلك الجهات وحدها ، ولا يمكن القبول بأن يُشوِّه صورة قضية عادلة يؤمن بها ويتبناها ملايين الأحرار حول العالم .

أضرَّ اختلاف الخطاب السياسي بين الجهات الكردية ، وما رافقه من انقسامات وانشقاقات في صفوف الحركة الكردية ، ورفع وخفض لوتيرة هذا الخطاب بين الحين والآخر بالقضية الكردية على نحو كبير ، وأعاق التقدم الإيجابي لها على مدى عقود ، ومن وجهة نظري فإن أهم ما تحقق للقضية الكردية حتى اليوم هو تشكيل الوفد الكردي الذي ينبغي على جميع الأطراف السورية والقوى الوطنية أن تُدرك بأنه الممثل الشرعي والوحيد للتفاوض والحوار بشأن القضية الكردية .

أثارت تصريحات السفير الأمريكي توماس باراك ردود فعل واسعة ، وتعرض لانتقادات وهجوم من قبل كثير من أنصار القضية الكردية مقابل تعاطف وتأييد من معظم خصومها ، وذلك طبعاً نتيجة قراءة خاطئة لهذه التصريحات من جهة ، ومن جهة أخرى بسبب الحكم المسبق لدى الغالبية بأن قوات سوريا الديمقراطية هي الحاملة لراية القضية الكردية ، وأختلف جملة وتفصيلاً مع هذه الرؤية ، إذ أقرأ المشهد من زاوية أخرى ترى أن حل (قسد) ودمجها في وزارة الدفاع – أياً كانت الصيغة التي سيتم التوافق عليها – والتوصل إلى حلول شاملة بخصوص الإدارة الذاتية وجميع المؤسسات والملفات العالقة – سواء جاءت النتيجة مُرضية للطرفين أم مجحفة بحق (قسد) كما فهم البعض من تصريحات باراك – فإن ذلك سيحمل في طياته نتائج إيجابية لمسار حل القضية الكردية .

أول هذه النتائج يتمثل في تحقيق قدر من الاستقرار السياسي والأمني ، وهو ما تحتاجه القضية الكردية في هذه المرحلة الحساسة ، أما آخرها – وهو الأهم من وجهة نظري – فهو تمكين الوفد الكردي من اتخاذ خطوة تاريخية نحو تحمُّل مسؤوليته بجدية ، والانطلاق في أداء مهمته الشاقة بعزيمة وروح وطنية وعقلية ناضجة .

لا بُدَّ أن يكون استثمار الوفد الكردي لتمثيله الرسمي والشرعي للقضية الكردية في المستقبل استثماراً إيجابياً وحكيماً ، وشخصياً أضع ثقتي في قدرات بعض أعضائه ، وفي ما يملكونه من واقعية سياسية تُمكِّنهم من الموازنة بين البُعدين الوطني والقومي في طرح القضية الكردية .

ولأن الذكرى تنفع المؤمنين ، فإنني أتمنى أن يتقبل الوفد بعض الرسائل والنصائح التي أبعثها في السطور التالية علَّها تُسهم في دعم مسار حل القضية الكردية الذي نتابعه كسوريين باهتمام شديد .

من الغريب والمثير للدهشة تجاهل دمشق المستمر للوفد الكردي ، ولكن حتى تنطلق المفاوضات – التي تبقى رهينة باستعداد ورغبة دمشق في الحوار – فإن على الوفد أن يعمل جاهداً على بناء تحالفات واسعة في هذه المرحلة بما في ذلك التحالفات الرمزية أو الشكلية مع قوى قد لا يُنظر إليها على أنها فاعلة في المعادلة الحالية ، ورغم وضوح بعض المُسلمات والبديهيات بالنسبة لنا ، إلا أنه من الضروري أيضاً تكثيف الندوات والحضور الإعلامي الإيجابي بهدف تعريف الغافلين بعدالة القضية الكردية من جهة ، ومن جهة أخرى إظهار التكلفة الباهظة التي سيتكبدها السوريون – بما فيهم السلطة في دمشق – عند رفض التفاوض وعدم التوصل إلى حلول عادلة ، كما ينبغي أن يكون تواصل الوفد مع مختلف الأطراف مدروساً بعناية ، وقائماً على الذكاء والمرونة مع الاستعداد لتقديم تنازلات – في ما هو أقل أهمية – إن كان ذلك سيؤدي إلى مكاسب حقيقية في ملفات أكثر جوهرية كضمانات دستورية على سبيل المثال .

وقبل كل شيء ، لا بد من الحفاظ على صورة وسمعة الوفد ككيان وأفراد بالشكل الذي يُعزز من التفاف القوى الوطنية وقبول الشارع السوري ، ودعمهم لما يُطرَح من مطالب مشروعة وعادلة باسم القضية الكردية .

بداية المهمة الشاقة للوفد الكردي قاب قوسين أو أدنى ، والمسؤولية التاريخية التي يحملها مرهونة بنجاح الجولة الأولى من المفاوضات التي ستشكل مؤشراً لمستقبل الحوار المنشود حول القضية الكردية ، وحتى مستقبل المرحلة المقبلة .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….