باراك يقول ولا يقول …!!!

دلدار بدرخان

اقرأوا بعناية الشطر الأخير من تصريحات توم باراك حول الفيدرالية، فالكلام يحتمل عدة تأويلات، ولا يخلو من الغموض المقصود.

يقول باراك:
ما تعلمناه في كل هذه الدول هو أن الفيدرالية لا تنجح، فلا يمكنك أن تملك كيانات مستقلة ليست دولاً داخل دولة واحدة”
ثم يضيف: “هذا يحتاج إلى وقت كي يتأقلم الجميع “
ويتابع:
“خاصة بعد كل تلك السنوات من النشاط الرهيب، فالأمر يحتاج إلى وقت للتكيف، ولكن الوقت بدأ ينفد، والعالم يتحرك بسرعة “

ما الذي يمكن أن نفهمه من هذا التصريح؟

من الواضح أن كلام باراك مليء بالإيحاءات والتناقضات المقصودة، وهو يفتح المجال لتأويلات متعددة، خصوصاً حين يُطرح في سياق سياسي معقد كالوضع السوري، فالقول إن “الفيدرالية لا تنجح” يتناقض جزئياً مع الإقرار بأن “الوقت يحتاج إلى تأقلم” ثم التأكيد أن “الوقت ينفد” هذه الصيغة تحمل رسائل مبطنة.

أولاً: يبدو أن باراك لا يرفض فكرة اللامركزية أو الفيدرالية من حيث المبدأ، وإنما يشير إلى صعوبة تطبيقها في بيئة مشحونة بالإرث الصراعي والتفكك المؤسسي، وهو لا ينفي الحاجة إلى نمط حكم جديد، بل يشكك في نجاعة النموذج التقليدي للفيدرالية المعروف في الدول المستقرة.

ثانياً: العبارة المفتاحية في حديثه هي أن “الوقت بدأ ينفد والعالم يتحرك بسرعة”
هذه بمثابة تحذير مبطن ، فالتباطؤ في معالجة ملف إدارة الدولة وشكل الحكم قد يؤدي إلى فقدان زمام المبادرة لصالح قوى أخرى على الأرض، أو لتكريس أمر واقع يصعب تغييره لاحقاً، وهنا تكمن الرسالة الضمنية إلى الأطراف كافة، إما التكيف والتوافق على صيغة مرنة لإدارة البلاد، أو مواجهة واقع يتشكل بسرعة خارج نطاق السيطرة.

الخلاصة: إن الفيدرالية أو بشكل أدق اللامركزية الموسعة لا تعني الانفصال كما يروج له اليعض، وإنما يمكن أن تكون مخرجاً عقلانياً للحفاظ على وحدة الدولة السورية، مع الاعتراف بالتنوع القومي والثقافي والإداري داخلها، وهذا يتقاطع مع تصريح باراك حين يشدد على فكرة “دولة واحدة وحكومة واحدة” و لكن بطريقة واقعية تراعي تعقيدات الأرض ، لا بطريقة مركزية جامدة أثبتت فشلها.

لذلك لا ينبغي قراءة تصريح توم باراك على أنه رفض مطلق للفيدرالية، وانما كتحذير من إساءة فهمها أو تطبيقها بشكل متسرع أو مجتزأ، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…