البيان السوري الجديد والكورد: بين فخّ التنازلات وفرص التفاوض

 ماهين شيخاني

 

المقدمة

في بيانٍ مفاجئ، عبّرت الحكومة السورية عن “ترحيبها” بتنفيذ الاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مع التأكيد على رفض أي تقسيم أو فيدرالية. هذا البيان، الذي يبدو تقدمياً في ظاهره، يحمل بين سطوره رسائلَ ملتبسة تحتاج إلى تفكيك دقيق.

فهل هو بداية لاعتراف بحقوق الكورد، أم مجرد مناورة لاستعادة السيطرة على شمال شرق سوريا..؟.

  1. قراءة بين سطور البيان: ما الذي يقوله دمشق حقاً..؟.

أ. اللغة الإيجابية الخادعة:

استخدام مصطلحات مثل “المكون الكوردي” و”حقوق جميع السوريين” يُظهر تحولاً في الخطاب، لكنه لا يُترجم إلى اعتراف دستوري.

عبارة “سوريا واحدة، جيش واحد” تُلغى عملياً أي احتمال لحكم ذاتي حقيقي أو فيدرالية.

ب. الأجندة الحقيقية:

استعادة السيطرة العسكرية: دعوة مقاتلي قسد للانضمام إلى الجيش السوري تعني عملياً نزع سلاحهم وتجريدهم من نفوذهم.

الاستعمار الإداري: إعادة فرض المؤسسات المركزية في التعليم والصحة والإدارة تعني تفكيك تجربة الإدارة الذاتية.

استغلال الانقسامات: النظام يحاول مخاطبة الشريحة المعتدلة من الكورد للتفرد بها وإضعاف الموقف التفاوضي الكوردي.

  1. لماذا هذا البيان الآن؟ السياقات الخفية

أ. استغلال المتغيرات الإقليمية:

الضغط الأميركي على قسد للتفاوض مع دمشق بعد تراجع الدور الأميركي المباشر.

التقارب الروسي – الإيراني – التركي لفرض تسوية على حساب مصالح الكورد.

ب. ورقة الاقتصاد:

النظام يعاني من أزمة خانقة، والسيطرة على موارد النفط والغاز الكوردية (مثل حقل الرميلان) ستُنعشه اقتصادياً.

بيان “التسوية” يهدف أيضاً لفتح أبواب التفاوض مع الغرب بذريعة احتواء “الانفصالية”.

  1. مخاطر القبول الكوردي: دروس من التاريخ

السيناريو ما حدث سابقاً        ما قد يحدث اليوم

نزع السلاح           مجزرة حلبجة 1988            تفكيك قسد، وعودة هيمنة الأجهزة الأمنية

الوعود الزائفة       اتفاقية 2012 مع PYD (لم تُنفذ)           تهميش الكورد بعد استدراجهم للتسوية

فيدرالية شكلية       دستور 2012 (حقوق شكلية)  نظام مركزي باسم “اللامركزية الإدارية”

 

  1. كيف يجب أن يردّ الكورد؟ خطة عملية

أ. شروط مسبقة لأي تفاوض:

  1. الاعتراف الدستوري بالإدارة الذاتية لا مجرّد “ثقافية”.
  2. الحفاظ على قسد كقوة دفاع محلية على غرار البيشمركة في إقليم كردستان العراق.
  3. تقاسم عادل للثروات وخاصة عائدات النفط والغاز والمياه.

ب. تحالفات استباقية:

تعزيز العلاقة مع موسكو لضمان توازن مع النفوذ الإيراني.

إشراف أممي وضمانات دولية على أي اتفاق سياسي.

بناء تحالف داخلي كوردي موحد يعزز موقف المفاوض الكوردي ويمنع الانقسام.

  1. البيان في الميزان: إيجابيات أم فخ جديد..؟.

الإيجابيات المحتملة المخاطر الحقيقية

بداية خطاب “تسامح رسمي”   محاولة تصفية مكتسبات الإدارة الذاتية

انفتاح نحو تسوية سياسية      نزع سلاح قسد وتفكيك مؤسساتها

فتح باب المفاوضات            فرض واقع مركزي بشكل ناعم ومرحلي

الخاتمة: الكورد بين مطرقة النظام وسندان التخلي الدولي

“التاريخ لا يرحم من يثق بوعود النظام السوري. البيان الحالي هو نفس اللعبة القديمة بأساليب جديدة.”

— ناشط كوردي من القامشلي

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج الكورد إلى:

الوحدة الداخلية بين كافة الأطراف والأحزاب في روج آفا وبقية أجزاء كوردستان.

تحصين المكتسبات السياسية وعدم الانجرار وراء وعود غير مضمونة.

تفاوض واقعي من موقع قوة لا من موقع التنازل أو الضعف.

ففي السياسة، التوقيت هو كل شيء.

ولعل اللحظة الآن تتطلب عقلانية حاسمة، لا عاطفة حالمة.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدو خليل Abdo Khalil وفق أحدث تصريحات إلهام احمد تقول بدم بارد ( قد تندلع حرب جديدة).. بينما من المفترض أن الأمور تسير على مهل في الحسكة و القامشلي وكان آخرها كمؤشر على تقدم الأستقرار، إعادة تأهيل مطار القامشلي.. ولكن على ما يبدو لا يمكننا البتة الفصل بين التحضيرات العسكرية الأمريكية التي تمضي على قدم وساق ضد إيران وبين ما…

خالد حسو   تُعبّر العزة القومية عن وعي جماعي بالهوية والوجود والحقوق التاريخية والثقافية لشعبٍ ما، وهي مفهوم سياسي وقانوني يرتكز على مبدأ الاعتراف المتبادل بين المكونات داخل الدولة الحديثة. ولا تُفهم العزة القومية بوصفها نزعة إقصائية أو مشروع هيمنة، بل باعتبارها تمسكًا مشروعًا بالكرامة الجماعية، ورفضًا لأي أشكال التهميش أو الإنكار، ضمن إطار يحترم التعددية والمساواة في الحقوق والواجبات….

عدنان بدرالدين تدخل الأزمة الإيرانية في أواخر فبراير 2026 مرحلة اختبار جديدة، من دون أن تقترب فعليًا من نقطة حسم. المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقترب من نهايتها، والمفاوضات غير المباشرة في جنيف تستعد لجولة جديدة، فيما تعود الاحتجاجات الطلابية إلى جامعات طهران ومشهد. ورغم هذا التزامن بين الضغط الخارجي والغضب الداخلي، لا تبدو مؤشرات السقوط الفوري أقوى…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…