تغيير الشعار لا يغيّر القبح بل يعمّق جذور الإقصاء

د. محمود عباس

 

منذ لحظة إعلان الحكومة السورية الانتقالية عن “الهوية البصرية الجديدة” للدولة السورية، مرورًا بخطاب الجولاني الذي ترافق مع العرض المهيب لذاك الرمز، تكشّفت نوايا تتجاوز مجرّد التغيير الشكلي، ما قُدّم على أنه تجديد بصري وانبعاث وطني جديد، لم يكن في حقيقته إلا محاولة جديدة لترسيخ سلطة إقصائية، ترتدي قناع الحداثة، بينما تمارس في جوهرها ذات السلوك البعثي الذي خنق سوريا لعقود.

فبدلاً من أن يكون الشعار الجديد تعبيرًا عن تنوّع سوريا وغناها القومي والديني، جاء مسيرة تصميمه وطريقة عرضه، وفرضه من أروقة السلطة التنفيذية دون التشريعية، امتدادًا لثقافة أحادية، تستنسخ منطق الاستبداد نفسه، وتُقصي المكوّنات التي دفعت أثمانًا باهظة في سبيل بقاء سوريا على قيد الحياة.

 إزالة أثار النظام المجرم السابق، وهيمنة منظمة قادة منظمة متطرفة تكفيرية، معروفة عالميا بالإرهاب، لا يأتي بتغيير شكل النسر، ولا بوضع هوية جديدة، لقد كان يكفي، إن وُجدت نيّة فعلية للقطع مع الماضي، أن يتم تغيير العلم داخل الشعار فقط، لا أن تُستبدل الهوية كاملة، وأن تُزال كل ما يرمز إلى الذاكرة، مهما كانت متصدّعة، لكن الإصرار على تفكيك الرموز بشكل متعمد، كما حدث لبعض التماثيل في ساحات المدن السورية، يكشف أن الهدف ليس إسقاط رموز نظام الأسد فقط وإزالة أثاره، بل إسقاط مفهوم الشراكة، والذهاب نحو هندسة وطن وهمي جديد، لا مكان فيه للكورد، ولا للعلويين، ولا للدروز، ولا للإيزيديين، ولا حتى للسريان وبقايا الآراميين، هؤلاء الذين يتعم العمل على إذابة ما تبقى منهم في سوريتهم، وبأساليب مروعة ما بين العنف والقتل وتزوير تاريخهم، ومحو لغتهم وأسلمتهم.

إن تصريح الجولاني، في معرض تعليقه على الهوية الجديدة، لم يكن مجرد حديث رمزي، لقد شكّل مؤشراً صارخًا إلى أن السلطة الجديدة، أو بالأحرى الواهمة، تسير على خطى النظام المجرم العنصري القديم، ولكن بملامح مصقولة، وخطاب مُنمّق، وجلباب أفغاني ولحية مغطاة بأقنعة، وتكتيك ناعم يتقن اللعب على الحواف.

فما طرحه الجولاني في كلمته لم يكن حديثًا عن وحدة سوريا، بل عن مركزية السلطة، عن دولة تُدار من خطاب واحد، وشكل واحد، وراية واحدة، ومرجعية واحدة، هي السلطة ذاتها التي لم تنجح الثورة في اقتلاعها من جذورها، بل أعادت إنتاجها عبر أجنحة جديدة، منها من لبس عباءة المعارضة، ومنها من تغذّى على صفقات الميدان والصفحات السوداء من الدعم الإقليمي.

ولعلّ أخطر ما تضمّنه خطاب الجولاني، وإن لم يُصرَّح به مباشرة، أن عرض الهوية الجديد لم يكن موجهًا إلى الشعب السوري عامة، بل إلى الكورد خاصة، كرسالة مشفّرة تتجاوز الشكل البصري إلى مضمون سياسي خطير، مفاده أن لا مكان لأي مشروع لامركزي أو فيدرالي في “سوريا المستقبل” إنها رسالة موجهة إلى الشعب الكوردي الذي يطالب اليوم، بعد عقود من التهميش والإنكار، بسلطة لا مركزية تحفظ له حقه القومي والثقافي، وتضمن شراكته الفعلية في بناء الوطن.

لكن السلطة الجديدة، بما تحمله من رواسب القديم، ترفض هذه الشراكة لأنها لا تعرف سوى منطق السيطرة والهيمنة، وقد حاول الجولاني في خطابه أن يوظف تصريحات المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توماس باراك، ليمنح شرعية لموقفه الإقصائي، متجاهلًا أن هذه التصريحات ذاتها تنطوي على تناقضات بنيوية، ولا تعبّر عن سياسة أمريكية متماسكة، بقدر ما تعكس تخبّطًا شبيهًا بما فعله بول بريمر في العراق.

إن المقارنة مع بريمر ليست اعتباطية، فتوماس باراك، الذي عيّنه ترامب، لا يختلف من حيث الوظيفة عن ذاك الحاكم الأمريكي الذي أرسى أسس الطائفية السياسية في العراق، وفتح أبواب الفساد والانقسام على مصراعيها، حين اصطدم بقيادة الرئيس مسعود برزاني، وبالحق الكوردستاني المشروع في تقرير المصير. واليوم، تُستعاد ذات العقلية في سوريا، حيث يحاول الجولاني، مستندًا إلى دعم عرّابه التركي، أن يُسخّر تناقضات الخطاب الأمريكي لتمرير موقف عدائي ضد الإدارة الذاتية وقوات قسد، دون أن يقرأ بدقة ما يجري على الأرض، أو يُدرك أن أمريكا، رغم تصريحاتها، تتحرك وفق مصالح استراتيجية متغيرة، وليس وفق شهوة الجولاني لاحتكار القرار أو رغبة تركيا في طمس المشروع الكوردي.

إن ما فعله الجولاني، وتواطأت معه “الحكومة الانتقالية”، ليس إعادة تشكيل هوية بصرية للدولة، بل إعادة إنتاج منظومة الإقصاء بوجه جديد.

وهكذا نكتشف أن النظام الذي يُراد له أن يكون بديلًا عن سلطة الأسد المجرمة البائدة، لا يختلف عنها في الجوهر، بل يحمل السموم ذاتها في قنينة جديدة. فحين تُبنى السلطة على الإنكار، والتزييف، واستبعاد المكوّنات الأصيلة، عبر فرض مركزية سلطوية شمولية، فإنها تمضي بخطى ثابتة نحو دكتاتورية أكثر فتكًا، مهما تلحفت بعباءة الدين أو ادّعت التغيير. إن الشعب السوري، بكل مكوّناته، لا يطمح إلى تغيير الشعار فحسب، بل إلى تفكيك بنية الدولة القديمة بكل نواتها العنصرية، وإعادة بناء وطن يذكّر بكوردستانيته، وسريانيته، وتعدديته الروحية والقومية والجغرافية؛ وطن لا يُقصي أحدًا، ولا يختزل الهوية بشعار أو علم، بل يحتضن الجميع بعدالة وكرامة.

ولذلك، فإن من يظن أن شعار النسر الجديد بداية لمرحلة وطنية جامعة، لم يفهم شيئًا من تاريخ سوريا، ولا من حقيقة ما يجري، فالشعارات، كما كانت دائمًا، قناع لمشروع سلطوي قادم، لا يختلف عن سابقه سوى بمدى دهائه، ونُعومة قبضته.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

4/7/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…