البراغماتية الأمريكية (وضع أو رفع العقوبات عن سوريا)

ريبر هبون*

تأتي تلك الخطوة الأمريكية المرحلية والتي عبّر عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في وعده للسوريين برفع العقوبات عنهم كوسيلة لاحتضان العدو (حكومة الجولاني “أحمد الشرع”) طالما وجوده يمنع من أن تعود إيران وروسيا للمنطقة، فقد سبق وإن دعمت أمريكا القاعدة ضد الاتحاد السوفيتي، فرفع تلك العقوبات من شأنه تعزيز دور الولايات المتحدة الأمريكية في سوريا، وكذلك فإن وجود الحكومة الحالية في دمشق مرهون بمدى استعدادها لتنفيذ ما ترغب فيه اسرائيل في المنطقة، بمقدار موافقتها على التطبيع والانضمام للاتفاق الابراهيمي بمقدار ما سيجعلها شرعية أكثر، ففتح القنوات الدبلوماسية سيتيح لتلك الحكومة الاستفادة من فرص إزالة القيود على التحويلات المالية والطيران وكذلك التجارة، فأمريكا كما يريد ترامب لديها استراتيجية بما يتعلق بمواجهة النفوذ التركي الصيني وكذلك الروسي، فعندما تقوم برفع العقوبات فإنها تدرك أنها تشارك سياسياً مع حلفاءها وتساهم بما يتعلق بإعادة الإعمار،لننتقل لنقطة امتداح ترامب للسيد أحمد الشرع، الجولاني سابقاً، ولنسق أمثلة تاريخية شبيهة بذلك وهي عديدة، مثلاً نذكر مدى امتداح أمريكا لما ذهب إليه صدام حسين في حربه ضد إيران ما بين 1980-1988، ولم تكتف بذلك بل قدمت له معلومات استخباراتية طيلة ثمان سنوات، ثم انقلبت عليه في 2003 وأعدم.

إذ تم غزو العراق بحجة امتلاك النظام العراقي لأسلحة الدمار الشامل، وكذلك تم تدريب أسامة بن لادن أثناء حرب الأفغانيين ضد الاتحاد السوفيتي فترة الثمانينات، من ثم أصبح بن لادن العدو الرئيسي لأمريكا بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001.

هذا ما حدث لمعمر القذافي الذي تخلى عن رغبته في امتلاك قنبلة نووية في عام 2003 مما اعتبرته أمريكا حليفاً لها، من ثم انقلبت عليه في 2011 وانتهت نهايته مقتولاً على يد الثوار ممن تلقوا الدعم من قبل الناتو،  وأخيراً وليس آخراً دعم الولايات المتحدة لحركة طالبان ضد الاتحاد السوفيتي وانقلابها ضدهم في 2001 من ثم تفاوضها معهم في 2020 ثم انسحبت من أفغانستان مسلّمة البلاد لحركة طالبان في 2021.

إذاً من خلال أمثلة التاريخ فإننا نستخلص خلاصة تتعلق بطبيعة البراغماتية الأمريكية فهي تعتنق دين المصالح التي تؤطر الصداقة حسب حاجاتها، فثمن رفع العقوبات هو الاصطفاف الاستراتيجي، إذ لطالما تستخدم العقوبات والرفع عنها كوسائل ضغط ومساومات لا كمكافآت أخلاقية.

لقد وضّح البيت الأبيض موقفه بخصوص رفع تلك العقوبات بمدى قدرة الحكومة السورية تنفيذ بعض الملفات الأكثر الحاحاً والمتحلقة حول فكرة التطبيع الاقليمي ومحاربة صنوف التنظيمات الإرهابية كداعش والفصائل الفلسطينية المهددة لإسرائيل فهل ستنجح في ذلك، وما هي التحديات التي تقف بوجه الحكومة الانتقالية في سوريا ؟

ثمة عجز بنيوي داخل الحكومة الانتقالية، حيث أنصار تلك الحكومة وقياداتها وكذلك المنضوين ضمن مؤسساتها العسكرية يحملون فكراً مناهضاً لاسرائيل ناهيك عن فكرة التطبيع معها، وهذه الفكرة إن سعى إليها أحمد الشرع فإنه بحاجة للحماية المركزة من قبل أمريكا،، فالواقع الشعبي مؤيد للقضية الفلسطينية ويعتبرها مبدأ مقدساً له،  ناهيك عن وجود فصائل لإيران وربما حتى من تركيا نفسها، فهي تتدخل في الحكومة الانتقالية وتشكل ثقلاً سياسياً ضمنها، فتركيا تحظى بفصائل موالية لها استلمت مؤخراً بعض المناصب ضمن الحكومة الانتقالية، ناهيك من وجود عناصر كثر موالية لداعش وتتبنى عقيدتها الجهادية وترفع شاراتها ، علماً أن اسرائيل كل فترة وأخرى تتعقب أماكن لقيادات من الفصائل الفلسطينية المسلحة كالجبهة الشعبية والقيادة العامة أو حركة الجهاد الإسلامي، وبعض تلك الفصائل مرتبطة عضوياً بإيران، فالحكومة الانتقالية لم تحظى بشرعية أو اعتراف شامل بعد، هناك على الجانب الآخر منها قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا والوفد الكوردي المشكل بعد وحدة الأحزاب الكوردية في مؤتمر قامشلو، فهي للآن لم تتحرك بشكل جاد نحو الحوار الداخلي معها، ناهيك عن الانقسام الاجتماعي الكبير الحاصل وحديث الأقلية والأكثرية، مما نذهب لخلاصة من أن الحكومة الانتقالية الحالية لا تملك رؤية واضحة وهذا يضعها في احتمالات الانهيار في أي لحظة لاسيما وأن داعش تتحضر لشن هجوم كبير على مراكز المدن الرئيسة الأمر الذي سيعيد أذهاننا لهجوم داعش صوب بغداد بعد تمكنها من السيطرة على الموصل 2014،من ناحية فإنه ثمة فرصة واقعية لسوريا وفق تعبير المبعوث الأمريكي توماس برّاك ومن ناحية أخرى فإنه ثمة توازنات معقدة لا تملك الحكومة الانتقالية وحدها مفاتيحها دون تعزيزها للجبهة الداخلية واستكمال حوارها الداخلي مع كافة مكونات سوريا بعيداً عن خطاب الأقلية والأكثرية.

ثمة رغبة أمريكية قوية للدفع بهذه الحكومة الانتقالية نحو الشرعية وكذلك مراجعة تصنيف هيئة تحرير الشام وأحمد الشرع الرئيس السوري المؤقت وكذلك النظر في وصف سوريا كدولة راعية للإرهاب  حيث كلف ترامب وزير خارجيته ماركو روبيو بمراجعة قانون  قيصر وهذا بلا شك منسجم مع التوجهات الأمريكية المرتبطة بالتطبيع من قبل سوريا مع اسرائيل والتصدي للإرهابين الأجانب وترحيل الجماعات الفلسطينية ومنع عودة داعش وكذلك السيطرة على مراكز احتجازها في شمال شرقي سوريا،  فهل سيستجيب أحمد الشرع وينتصر للإرادة الأمريكية مقابل الداخل الشعبي المؤيد بشدة للفلسطينيين هذا ما ستجليه الأيام القادمة.

* كاتب وصحفي كوردي من سوريا

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…