لو أصاب القناص ترامب هل كانت أمريكا ستغزو العالم بالذكاء والتعريفة أم بالصواريخ؟ – الحلقة السابعة

د. محمود عباس

 

لم تعد الإمبراطورية اليوم قوة عسكرية كما عرفناها في الماضي، بل أصبحت إمبراطورية خوارزمية، تتحكم بالعقول قبل أن تُمسك بالأرض، لم تعد تدمر المدن بالجيوش، بل تُعيد برمجتها بالخوارزميات والمصالح والشاشات، إنها لا تحكم الجغرافيا، بل تسود الوعي، لا تُخيف كما كانت تفعل المدافع، بل تُغوي وتُقنع وتُروّض، تحكمها وتديرها الدولة العميقة العصرية التي لا جغرافية لها.

الإمبراطوريات السابقة كنا نقاومها ونحارب جيوشها، أما اليوم فنُدافع عنها ونُحبها، ونطلب بوعيٍ أو بدون وعي أن تبقى، بل ونُلحّ عليها أن توسّع سيطرتها على عقولنا وجغرافيتنا ومجتمعاتنا، لم نعد نراها عدوًا، بل خلاصًا. إنها استعمار ناعم، لا يفرض علينا الاستسلام، بل يجعلنا نُحب الهزيمة.

لم تعد الإمبراطوريات ترسل جيوشها ولا تحاصر المدن بالدبابات والطائرات، بل ترسل الهواتف الذكية والإنترنت والذكاء الاصطناعي. تدخل من نوافذنا لا من حدودنا، تتسلل إلى وعينا لا إلى أراضينا، تُقنعنا بأنها ضرورية، بل محبوبة، حتى ندفع لها طوعًا كي تبقى، وننافح عنها كأنها خلاصنا الوحيد.

كما والسلطة اليوم ليست ذلك الجنرال الجالس خلف مكتب خشبي، ولا الحاكم الذي يعتلي منصة ويخطب في الجماهير، السلطة الحقيقية، كما باتت تُمارس، ترتدي وجه المستخدم، تُشبهك، تخاطبك بأدواتك، تُقنعك أنك تختار، بينما تقودك إلى حيث لا تدري، هذه ليست ديكتاتورية، بل شكل جديد من العبودية، لكنها ناعمة، رقمية، بلا سياط، بلا سجون، تُمارس على مستوى النفس قبل الجسد.

ما بعد الرصاصة التي كادت تقتل ترامب، لم يكن ليظهر نظام ديكتاتوري كما في كتب التاريخ، بل ما هو أكثر تعقيدًا، نظام رقمي شمولي بلا سجون، بلا إعدامات، لكن أيضًا بلا حرية حقيقية، عبودية معولمة، لا يُفرض فيها عليك أن تطيع، بل تُصمَّم فيها لتعتقد أن طاعتك هي حريتك.

لقد كتب جورج أورويل عن “الأخ الأكبر” الذي يراقب كل شيء، أما عالمنا فصار يراقب ذاته بنفسه، يتطوّع فيه الناس لتسجيل حياتهم، توثيق خطواتهم، ومشاركة أفكارهم في خدمة من لا يُرى. لقد تحوّلت الشاشة إلى مرآة، والمرآة إلى قيد، نحن لا نُجبر على شيء، نحن نمنح معلوماتنا طوعًا، وبغبطة، ونبني السجن الذي نعيش فيه بأنفسنا.

العبودية الرقمية لا تحتاج إلى جندي، بل إلى واجهة، ولا إلى قانون طوارئ، بل إلى سياسة الخصوصية. يُطلب منك أن توافق، أن تقرأ “الشروط والأحكام”، وأنت تعرف أنها لا تُقرأ، لكنها تُنفّذ، كل ضغطة، كل كلمة، كل صورة، تصبح حجارة في معمار سجنك الشخصي، الذي يُعاد تشكيله كل يوم، ليشبهك، ويقيّدك، في آن معًا.

في زمن ترامب، كان الصراع لا يزال يُخاض على العلن، انتخابات، محاكم، فضائح. أما في العالم الذي كادت الرصاصة أن تفتحه، فإن الصراع انتقل إلى الداخل، داخل الهاتف، داخل الشبكة، داخل العقل، أنت تُخدع وأنت مستمتع، تُنتهك خصوصيتك وأنت تضحك، تُوجَّه آراءك وأنت تعتقد أنك حر. وكما قالت الفيلسوفة حنة آرندت، “أخطر أشكال السيطرة هي التي لا يشعر فيها الناس أنهم خاضعون لها.”

العبودية الكلاسيكية كانت واضحة، تحمل سوطًا، وتخضع الجسد بالقوة، أما العبودية الرقمية، فهي ترتدي قناع الحرية، تُعيد تشكيل الإنسان من الداخل، وتُخضع العقل قبل الجسد، الأولى كانت تنتهكك علنًا، والثانية تُعيد برمجتك صامتة، ولذلك، فهي الأشد خطرًا، لأنها لا تُواجه، بل تُحتضن، هي الاستعباد الجديد باسم الراحة، وبأدوات نختارها نحن، ونُغرم بها.

المفارقة أن هذا الشكل من العبودية لم يُفرض بالقوة، بل صُمم على هيئة خدمة، وكلما زاد التخصيص، كلما صارت الرقابة أكثر دقة، ما نراه من توصيات، مما نقرأ، نشاهد، نشتري، ليس بريئًا، إنه شكل من أشكال إعادة التشكيل المستمر للذات.

أنت لم تعد تملك بياناتك، بل بياناتك تملكك، لم تعد تسأل، بل يُقترَح عليك، ولم تعد تختار، بل تختار من بين ما تم اختياره لك، وهنا، يُصبح جوهر العبودية الجديد، حرية شكلية، لكن بقيود مبرمجة، لا تُرى، لكنها تحاصر كل فكرة قبل أن تولد.

وبينما تتراكم القوة داخل هذه المنظومات، تتآكل مفاهيم أساسية كانت عماد الحداثة: المواطنة، الإرادة، حتى الحقيقة. لم يعد هناك واقع واحد، بل فقاعات لكل فرد. الحقيقة أصبحت نسبية، تُصاغ حسب الخوارزمية. وهكذا، نعيش جميعًا في زنزانات رقمية أنيقة، نختار جدرانها كل يوم، دون أن ندرك أنها جدران.

السؤال الآن، هل هناك خلاص؟

الجواب ليس بسيطًا، لكنه يبدأ بالإدراك. لا خلاص من عبودية لا نعرف بوجودها. لا مقاومة دون وعي. نحن لا نواجه طاغية، بل بنية. لا ننتفض ضد جنرال، بل ضد نظام بيئي كامل من التطبيقات، والمشاهد، والسرديات. ولهذا، فإن التغيير لا يبدأ من الخارج، بل من الداخل: من تعليم يزرع الشك، من ثقافة تُعيد إحياء المفاهيم، من سياسات تفرض الشفافية لا التسليم.

وقد نحتاج إلى “لحظة ترامب” جديدة، لا من حيث شخصه، بل من حيث ما مثّله من فوضى مكشوفة، كانت على الأقل تُظهر قبح السلطة، بدل أن تخفيه وراء أيقونات الواجهة.

في النهاية، لم تُعد المسألة، من يملك الأرض، بل، من يملك وعي من يسكنها؟ العبودية القديمة كانت تحتاج إلى حرس، أما العبودية الرقمية فلا تحتاج إلا إلى قبولك.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

12/4/2025

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…