تضخيم قصف إيران يكشف صراع الاستراتيجيات بين ترامب والدولة العميقة – 3/3

د. محمود عباس

 

في عمق هذا التنازع بين المشروعين الأمريكيين، مشروع ترامب القومي الصدامي، ومشروع الدولة العميقة الكونية، يتجلّى صراعٌ فلسفي داخل الأروقة السياسية الأمريكية، يتجاوز الخلافات التكتيكية والتحالفات الظرفية، نحن أمام رؤيتين متناقضتين للعالم وللمستقبل:

الرؤية الأولى، التي يُمثّلها ترامب وتياره، تقوم على استعادة مفهوم الدولة – الأمة، وتكريس الهيمنة الأمريكية من خلال أدوات القوة التقليدية، واستعراض السطوة الجيوسياسية، والتحالفات القومية العابرة للحظة، والحروب الاستباقية التي تعيد تشكيل موازين القوى على الأرض. عالم هذه الرؤية لا يحتمل التعدد ولا التسويات، بل يُدار بمنطق من معنا ومن ضدنا، ويُعيد إنتاج مفردات الحرب الباردة بنَفَس جديد.

في المقابل، تسعى الرؤية الثانية، التي تُجسّدها الدولة العميقة بصيغتها المعولمة، إلى تجاوز الدولة التقليدية نحو تشكيلات ما بعد قومية، تعمل فيها الشركات العملاقة العابرة للقارات، والمؤسسات المالية الدولية، والمنصات الخوارزمية، كأدوات هيمنة أكثر فاعلية من الطائرات والصواريخ. عالم هذه الرؤية تُعاد هندسته لا بالاحتلال، بل بالعقود، ولا بالانقلابات، بل بالبيانات، وتُصاغ فيه الخريطة لا على الورق، بل على شاشات بورصة وادي السيليكون.

لكن هذا الصراع النظري يجد تعبيره العملي في الملف الإيراني، وتحديدًا في العلاقة المتوترة بين طهران وتل أبيب، التي تجاوزت منذ زمن منطق الردع، ودخلت في منطق الكينونة، من له الحق في أن يبقى؟ ومن يُنظر إليه كخطر لا يُحتوى، بل يُزال؟

فبينما ترى واشنطن، وخصوصًا في عهد إداراتها المعولمة، أن إيران يمكن تطويقها وتفكيك أوراقها عبر الاحتواء والعقوبات الذكية، ترى إسرائيل أن النظام الإيراني يشكّل تهديدًا وجوديًا، لا سياسيًا فحسب، تهديد ينبع من عمق عقائدي يتأسس على فتاوى دينية ومواقف أيديولوجية ترى أن وجود إسرائيل ذاته يُمثّل نقيضًا لجوهر الأمة الإسلامية الثورية. ومن هنا، لا تنظر إسرائيل إلى طهران كخصم عادي، بل ككيان ميتافيزيقي يجب إسقاطه، لا التفاوض معه.

ومن هذه الزاوية، يصبح المشروع الإيراني برمّته غير قابل للاحتواء، بل للتصفية، في كل صاروخ من الجنوب اللبناني، أو من اليمن الحوثية، وكل طائرة مسيرة فوق الجليل، وكل خطاب ثوري يصدر من الحرس الثوري، يُقرأ في تل أبيب كجزء من خطة هجومية محتملة، يُفترض الرد عليها دفاعيًا، وإن اقتضى ذلك توجيه ضربات مركّزة داخل العمق الإيراني.

وهكذا تتقاطع الاستراتيجيتان الأمريكية والإسرائيلية، لا باعتبارهما وحدة عضوية، بل بوصفهما قوتين تلتقيان تكتيكيًا وتختلفان استراتيجيًا، فبينما ترى واشنطن أن إيران ورقة في لعبة كبرى مع الصين وروسيا وإمدادات الطاقة، ترى تل أبيب أن إيران هي قلب الخطر، وأن أي تسوية معها هي انتحار بطيء.

في هذا السياق، لم تكن الحرب التي دامت اثني عشر يومًا بين إيران وإسرائيل مؤخرًا سوى فصل متوتر من حرب مفتوحة مؤجلة، انتهت بهدنة هشة، لكنها لم تُنهِ جذور الصراع، ولم تُجب عن الأسئلة الكبرى، ولهذا، فإن الحديث عن تجدّد المواجهة ليس نبوءة، بل ترجيح عقلاني، بل إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في كلمته الأخيرة بقمة الناتو في لاهاي، أشار بصراحة إلى أن “الصراع بين إسرائيل وإيران قد يعود في أية لحظة، بل إنه شبه حتمي، طالما استمرت طهران في نهجها العقائدي، ورفضها للواقع الجيوسياسي القائم”.

وهو تصريح لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى بنية أيديولوجية راسخة في منظومة الحكم الإيراني، التي لا تزال تستلهم فتاوى الخميني، وتبني سرديتها على ضرورة “إزالة إسرائيل من الوجود”، ليس بوصفها كيانًا سياسيًا فقط، بل باعتبارها نقيضًا عقديًا لفكرة الدولة الإسلامية الحاملة لمشروع العدالة الإلهية حسب التصور الثوري الشيعي.

إن هذا التفاعل بين البنية العقائدية الإيرانية، وعقيدة الأمن الوقائي الإسرائيلي، يجعل من تجدد الصراع بين الطرفين مسألة وقت لا أكثر.

وفي نهاية المطاف، لسنا فقط أمام صراع على منشآت نووية أو خطوط نفوذ، بل أمام صراع على تعريف المستقبل:

هل سيكون المستقبل لعالم تتصارع فيه العقائد والرؤى الوجودية، أم لعالم تُهندسه التكنولوجيا، والأسواق، والتحالفات البراغماتية؟

هل ستُحسم معركة الشرق الأوسط بقرار من غرفة عمليات، أم بإجماع من مراكز البحث والمنصات الرقمية التي تُعيد تشكيل الوعي والسردية؟

وهل ستكون الجولة المقبلة في طهران، أم في شاشات التحليل الاستراتيجي في واشنطن؟

الاحتمالات مفتوحة، واللاعبون كثر، لكن ما هو مؤكّد أن الشرق الأوسط سيظل ساحة اختبار حيّة، أولها إعادة تركيبة خريطة سايكس – بيكو الجيوسياسية.

الاحتمالات كلها مفتوحة، لكن المؤكد أن الهدنة لم تُنهِ الحرب، بل أجّلت فصولها القادمة.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

25/6/2025م

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…