ديمقراطيات الربيع العربي: ما لها وما عليها

كفاح محمود

 

  مثل “الربيع العربي” منذ 2011 لحظة مفصلية في التاريخ السياسي العربي، حين خرجت الشعوب للمطالبة بإسقاط أنظمة شمولية وبناء نظم ديمقراطية تعكس الإرادة الشعبية، وأسقطت تلك الحركات أنظمة في تونس، مصر، ليبيا، واليمن، فيما واجهت سوريا ثورة عنيفة تحوّلت إلى حرب أهلية، ورغم الزخم الشعبي، لم تثمر هذه التحركات عن ديمقراطيات مستقرة، بل عن تجارب انتقالية قصيرة العمر أو فوضى أو عودة للاستبداد بصيغ مختلفة، وفي هذا السياق، برزت تساؤلات جادة حول طبيعة التحول، مدى واقعيته، ومصيره.

  فقد أحدثت الثورات تحولات نفسية واجتماعية مهمة في مقدمتها إزالة الخوف من المشاركة السياسية، بل ومكّنت فئات مهمشة من التعبير والمطالبة، وأعادت النقاش العام إلى مفاهيم المواطنة، والعدالة، والحريات، كما ظهرت نخب سياسية وإعلامية جديدة، خاصة في تونس، وساد شعور جماهيري بالتمكين، ولو مؤقتًا، لكن هذه اللحظة لم تدم، إذ انزلقت دول مثل ليبيا واليمن وسوريا إلى حروب أهلية، بينما شهدت مصر انتفاضات واحتجاجات مليونية على حكم محمد مرسي وجماعة الإخوان التي حاولت الاستحواذ على الحكم المنفرد، وحتى تونس، التي اعتُبرت نموذجًا ناجحًا، عادت إلى حالة من السلطوية “الدستورية” إثر أزمات اقتصادية وانقسام سياسي، إن ما حدث كان انهيارًا سريعًا لما بُني بعد الثورة، مما يدفع إلى مراجعة أعمق لطبيعة هذا البناء.

تطبيق قسري للنموذج الغربي

  سعت النخب الثورية والدول الداعمة إلى استنساخ النموذج الديمقراطي الليبرالي الغربي، من حيث الآليات (الانتخابات، الدساتير، التعددية)، دون الانتباه إلى أن هذا النموذج هو نتيجة لتراكمات تاريخية وثقافية ومؤسسية لا تتوفر في البيئات العربية الخارجة من أنظمة شمولية، فقد افتقرت هذه المجتمعات إلى البنى التحتية للديمقراطية: استقلال القضاء، المجتمع المدني الفاعل، الإعلام الحر، وتقاليد التسامح والتعايش السياسي، ناهيك عن النقطة الأكثر جوهرية، أن التغيير الذي حدث كان فوقيًا في أغلبه، مدفوعًا بضغوط إقليمية ودولية، واستهدف رأس النظام السياسي دون المساس بالبنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية العميقة، بمعنى آخر: تغيرت الأنظمة ولم تتغير المجتمعات، بل لم تتغير ثقافة الأنظمة التي انهارت، ولم تُمس مفاصل الدولة العميقة، ولم تحدث مراجعة جذرية للثقافة السياسية المبنية على الطاعة، والولاء، والانتماءات الأولية (القبيلة، الطائفة، الزعيم)، كما لم يرافق التغيير السياسي إصلاح ثقافي أو تعليمي يعيد تشكيل وعي المواطن، ونتيجة لذلك، أُعيد إنتاج أدوات الاستبداد بأشكال جديدة، وقد ساهمت هذه الهشاشة في إشعال صراعات داخلية بين التيارات الإسلامية والعلمانية، كما في مصر وتونس، وبين المكونات الطائفية والمناطقية، كما في اليمن وليبيا وسوريا، وبدلاً من بناء توافق تاريخي، انقسمت المجتمعات على أسس عرقية وهوياتية حادة، فتراجع الأمن، وتدهور الاقتصاد، وانهارت ثقة المواطنين بالنخب الجديدة.

المفارقة الخليجية: التحديث التدريجي كنموذج بديل

  في مقابل هذا المشهد، برزت تجارب الخليج، خاصة في السعودية والإمارات، كنموذج مغاير في إدارة التحول، لم تشهد هذه الدول ثورات شعبية، لكنها انتهجت مسارًا تدريجيًا ومدروسًا في تحديث الدولة والمجتمع، مع الحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي، فتم تعزيز مؤسسات الدولة، وضبط العلاقة بين الدين والدولة، وتحديث الاقتصاد عبر رؤى استراتيجية، دون كسر مفاجئ للمنظومة القائمة.

  ورغم عدم تبنيها للنموذج الديمقراطي الغربي الكامل، إلا أن تلك الدول تمكنت من إدخال إصلاحات مؤسسية ومجتمعية فعالة، مما جعلها أكثر استقرارًا وأقل عرضة للفوضى، هذا النموذج يقدم مقاربة بديلة: تحول من الداخل، تدريجي، ومبني على خصوصية الواقع المحلي، لا على ضغوط خارجية أو نسخ أجنبي.

والآن ما هو البديل الواقعي؟

لقد أثبتت التجارب العربية أن التغيير لا يُفرض من فوق، ولا يُستورد من الخارج، الديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع، بل مسار طويل يتطلب:

– بناء مؤسسات حقيقية لا مجرد رموز شكلية.

– إعادة تشكيل العقد الاجتماعي على أسس المواطنة.

– إصلاح التعليم والإعلام والثقافة بما يعزز الوعي السياسي.

– تفكيك منظومات الفساد والاستبداد المتجذرة.

– دمج البنى التقليدية (العشائر، المرجعيات الدينية) في مسار التحول دون احتكارها.

وخلاصة القول:

فان ديمقراطيات الربيع العربي كشفت توقًا عميقًا نحو الحرية، لكنها اصطدمت بواقع معقد لا يمكن تجاوزه بالنيات وحدها، وبين التسرع الثوري، والاستنساخ الغربي، والتدخل الخارجي، غابت الرؤية الواقعية لبناء نظام جديد، في المقابل، تُظهر التجارب الخليجية أن التحول لا يعني القطيعة، بل التدرج، ولا يكون بالفوضى بل بإعادة هندسة الدولة والمجتمع ببطء وثبات، ويبقى التحدي أمام الشعوب العربية هو بناء ديمقراطية تخصها، وتستمد مشروعيتها من واقعها، لا من نماذج مستعارة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…