من فجّر كنيسة مار إلياس؟ الحقيقة خلف مسرحيات هيئة تحرير الشام

د. محمود عباس

 

حين غابت القيم، كانت الحقيقة أول الضحايا. في لحظة تهاوت فيها الأخلاق وتفسّخت المبادئ، بات من السهل على القوى المنافقة أن تُلصق بشكل مباشر أو غير مباشر، تهم الإرهاب بقوى كوردية عصرية، كانت قد دفعت آلاف الشهداء فداءً لسوريا ومكوناتها، وفي مقدمتهم المسيحيون السريان والأشوريون، ممن ذاقوا الويلات على أيدي داعش وشقيقاتها من التنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها هيئة تحرير الشام، الامتداد المقنّع لجبهة النصرة بأسمائها المتعددة وأدوارها الملتوية.

ومع تصاعد حملات التشويه، روّجت الجهات نفسها رواية مفبركة، زعمت أن الانتحاري التكفيري الذي فجّر كنيسة مار إلياس، وارتكب مجزرة بحق العشرات من إخوتنا المسيحيين، قد خرج من مخيم الهول، في محاولة مكشوفة لتوريط الإدارة الذاتية الكوردية في جريمة يعلم الجميع أن بصماتها تعود إلى الحاضنة الأصلية لداعش، والتي حافظت على وجودها داخل المخيم باعتباره العاصمة غير المعلنة للتنظيم.

وحتى لو صحّت رواية خروجه من المخيم، فقد كان الأجدر البحث عن الجهات التي ساعدته على الهرب، تمامًا كما جرى سابقًا في حالات تهريب منظمة لعناصر داعش، بدعم من أطراف إقليمية، وتحت أعين من يدّعون أنهم “ممثلون للثورة”.

ولم يكن خافيًا على أحد أن ما جرى لاحقًا من “اعتقالات استعراضية” لعناصر أخرى، لم يكن سوى مسرحية أمنية لتغطية البنية المتطرفة التي تهيمن على الحكومة السورية الانتقالية، ومع مرور الوقت، ستُوضع هذه الحكومة أمام مفترق طرق، فإما أن تحارب بصدق التيار التكفيري داخلها، وتطلب دعم قوات سوريا الديمقراطية أو المنظمات الدولية، وإما أن تُفتضح حقيقتها، وتنكشف وظيفتها كغطاء شرعي للإرهاب المتقن التمويه.

المفارقة الأشد سخرية، أن هذه الحكومة، التي شكّلتها هيئة تحرير الشام بدعم تركي مباشر، حاولت أن تستغل القانون الدولي للاستيلاء على مخيم الهول، لا لحماية المدنيين، بل لتأمين ممرات لهروب خلايا داعش وإعادة تدويرهم في فوضى قادمة يُراد لها أن تنفجر من جديد في الجغرافيا السورية.

وهكذا، فإن كل تهمة وُجّهت إلى القوى الكوردية، كانت في حقيقتها شهادة إدانة ضد من أطلقوا سراح القتلة، ومن مدّوا لهم الجسور، وفتحوا لهم الممرات، بل ومنحوا لهم منصات باسم “الشرعية” و”الثورة”، بينما كان من حارب داعش في كوباني، وسنجار يُصنّف إرهابيًا، ويُحرّض عليه إعلام الممولين.

لقد كشفت المسيرات التكفيرية التي جابت شوارع إدلب، وحارة باب توما في دمشق وغيرها من المناطق، أن من يتحكم بمفاصل “الحكومة المؤقتة” ليسوا سوى أذرع للجماعات المتطرفة، وأن من بايع النصرة أمس، أصبح يتحدث اليوم بلسان الثورة، في مفارقة تراجيدية سوداء، يُكافَأ فيها الجلاد، ويُدان فيها المقاوم.

ولأن الكذب لا يصنع تاريخًا، وحملات التشويه لا تصنع مشروعًا، فإن من يقاتلون لأجل الحقيقة، وإن خذلهم العالم، سيبقون المنارة الوحيدة في هذا الظلام، حتى حين تختلط رايات الثورة بأعلام الإرهاب، وتتحوّل المؤتمرات إلى محاكم تفتيش.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

25/6/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 Comment
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
زبير عبدالله
زبير عبدالله
9 شهور

الابقاء على دليل للكشف عن الجريمة ،وفي هذه الحالة القبض على احدهم،وسرعة الكشف عن الخلية،طريق متبعة للميت التركي ،على غرار عملية انقرة وغيرها…في هذه الحالة ليس حزب العمال الكوردستاني هو المستهدف ،وانما القوات الكوردية..والشئ الثاني استلام مخيم الهول التي يسعى أردوغان جاهدا استلامها……فيما يخص السلطة في دمشق ،طالما أردوغان خلفهم ،لن يكون غد سوريا افضل من امسه..

اقرأ أيضاً ...

خورشيد خليل Xursid Horsit Xelil في نهاية التسعينيات من القرن الماضي إتصل بي أحد من الاقرباء من كورد تركيا من المؤيدين لـ الآپوچية و طلب مني الحضور لـ منزله لأن سيأتيه ضيوف يرافقون هفال / ماراثون / و أن الهفالات قرروا أن يزور هفال / ماراثون /…

د. محمود عباس   ليست مأساة الشعب الكوردي في أنه افتقر إلى الشجاعة، ولا في أنه عجز عن إنتاج القادة، ولا في أنه كان غائبًا عن مسرح التاريخ. على العكس تمامًا، فالتاريخ الشرقي، منذ تشكّل إمبراطورياته الأولى حتى انهياراته الكبرى، يكاد يكون مشبعًا بالحضور الكوردي، دمًا، وجغرافيا، وقوةً، ودورًا. لقد شارك الكورد في بناء الإمارات، وأسهموا في تثبيت الممالك، وكانوا…

مسلم شيخ حسن – كوباني   شهدت الساحة العراقية في الآونة الأخيرة حالة من التوتر السياسي المتصاعد على خلفية الخلافات حول آلية انتخاب رئيس الجمهورية في العراق الفدرالي. ويأتي ذلك في أعقاب مناقشات حادة بين الكتل السياسية في البرلمان، مما يظهر عمق الانقسامات وصعوبة التوصل إلى حل مرض. ولم تكن هذه الأزمة مجرد صراع عابر بل فاقت التوقعات في حدتها…

حسن قاسم يثير لجوء بعض الكتّاب إلى الذكاء الاصطناعي في كتابة مقالاتهم جدلاً واسعاً، يصل أحياناً إلى حد الاتهام بالتكاسل أو فقدان الأصالة. غير أن هذا النقد، في كثير من الأحيان، ينطلق من فهم تقليدي لدور الكاتب، ويتجاهل طبيعة التحولات التكنولوجية التي أعادت تشكيل أدوات المعرفة والإنتاج الفكري في العصر الحديث. فالذكاء الاصطناعي، ببساطة، ليس أكثر من أداة متقدمة، شأنه…