مخطط عنصري عمره نصف قرن

صلاح بدرالدين

عندما يتجاهل القانون الاساسي – الدستور – منذ مرحلة الانتداب، وما قبل الاستقلال، ومن بعده، وفي مختلف العهود وحتى اللحظة، اي وجود لغير المكون العربي في بلاد متعددة الاقوام والثقافات مثل سوريا، يشكل فيها الكرد قرابة ١٥٪ من سكان البلاد، فان تفسيره على الصعيد العملي يعني نفي العكس من جانب الحاكم، حتى لو تطلب ذلك الالغاء، والعمل على تغيير التركيب الديموغرافي بشتى السبل لاثبات صحة ما ذهب اليه الدستور، وهذا ما حصل لنا نحن الكرد السوريين منذ نحو قرن من جانب مختلف القوى، والتيارات السياسية التي حكمت البلاد او كانت بالمعارضة من ممثلي البورجوازية الوطنية، والقوميين، والبعثيين، والشيوعيين الرسميين، والاسلاميين.

مارست الحكومات المتعاقبة التمييز ضد الكرد كسياسة متبعة متواصلة، وخصوصا في عهد العقيد – اديب الشيشكلي – حيث بدأت الاوساط الحاكمة باثارة النعرة القومية ضد الكرد تحت عنوان (الخطر الكردي) المزعوم، ولعب وزير الخارجية انذاك القومي المتعصب – اسعد محاسن – دورا في ذلك، بالاضافة الى محافظ الجزيرة في حينها البعثي – سعيد السيد –.

اما محاربة الكرد عبر تغيير التركيب الديموغرافي لمناطقهم وبشكل ممنهج فقد بدأ منذ قيام الملازم اول – محمد طلب هلال – مدير الامن السياسي بالجزيرة (وهو بعثي واصبح عضوا بالقيادة القطرية) بعد اعداد تقريره عام ١٩٦٣ بعنوان – دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي السياسية – الاجتماعية – القومية –، ثم اعتمد التقرير كبرنامج عمل من جانب النظام البعثي (قامت رابطة كاوا للثقافة الكردية بنشر التقرير على شكل كتاب).
وقد قامت حكومة – يوسف زعين – بتنفيذ بنود التقرير\المخطط بجانبيه (الاحصاء الاستثنائي لمحافظة الحسكة والحزام العربي)، وفي عهد – حافظ الاسد – اشتدت وتيرة التنفيذ بعد اضافة حملات القمع والاعتقالات، والتجريد من الحقوق المدنية بحق مناضلي الحركة الوطنية الكردية، وتضاعفت موجات الهجرة والنزوح في عهده الى درجة ان ضواحي دمشق شهدت ظهور بلدات وقرى كردية من نازحي الجزيرة بشكل خاص.

دراسة – هلال – كانت تقريرا مخابراتيا سريا وزع بين اصحاب القرار بشكل محدود، وقد حصلنا عليه – في البارتي الديموقراطي الكردي اليساري – عام ١٩٦٥، حيث بادر احد القياديين في حزب البعث بالحسكة، من ابناء عائلة – المسلط – الى طلب الاتصال عبر وسيط باحد القياديين في حزبنا انذاك على وجه السرعة ولا مر هام، وتم ذلك حيث سلمنا نص التقرير قائلا: انني ساغادر البلاد ولكنني اردت اعلامكم عن مؤامرة خطيرة ضد اخواني الكرد قبل ذلك.
فقمنا على الفور بارسال التقرير الى اوروبا ونشر هناك بعدة لغات على نطاق واسع، ثم قمنا باتخاذ الخطوات اللازمة حسب قدرتنا لوقف هذا المشروع العنصري البغيض.

ومن جملة الخطوات، بادرنا في صيف ١٩٦٦ الى اعداد وفد شعبي وتوجهنا الى دمشق، وحاولنا اللقاء مع رئيس الحكومة – يوسف زعين –، وكان العنوان العام لمهمة الوفد تحسين اوضاع الفلاحين الكرد، ولكن الهدف الاساسي كان اسماع صوتنا الرافض للمخطط الى الحكومة، ولهذا تراجعت الحكومة عن لقائنا بعد الموافقة الاولية.

وبسبب نشر التقرير، وحملة التعبئة التي قمنا بها عبر الندوات السرية في ريف المنطقة، ودعوة الفلاحين الى المقاومة السلمية للمخطط، وتوزيع منشور من ٣٠ بندا في جميع مدن محافظة الحسكة في وقت واحد، قامت السلطات بحملة اعتقالات واسعة في اب ١٩٦٦، كانت موجهة بشكل اساسي ضد اليسار، وكانت المرة الاولى التي يتم فيها استهدافي حيث توجهت دورية مشتركة الى منزلنا بقرية جمعاية لاعتقالي وكنت بالقامشلي، ومن حينها اصبحت في عداد الملاحقين.

الى جانب كل ذلك، وبامكانياتنا المحدودة، توجهنا الى دمشق، وتواصلنا مع معظم التنظيمات السياسية من شيوعية وقومية ما عدا حزب البعث، ولم نجد اذانا صاغية لمخاطر المخطط، حتى ان (رفاقنا) الشيوعيين لم يتفقوا معنا على مصطلح – الحزام العربي – بل سموه – كولخوذات ومزارع الدولة –، ولكن ذلك لم يثننا عن مواصلة العمل، حيث توجهنا الى بيروت وتواصلنا مع معظم اطراف الحركات الديموقراطية، والتقدمية اللبنانية، والفلسطينية، والعربية، كما ابلغنا سفارات جميع الدول الاشتراكية عن هذا المخطط وسلمناهم نسخا من التقرير\المخطط.

في حقيقة الامر، حاول حافظ الاسد تنفيذ المشروع – الحزام العربي –، وقد اخبرني الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ان الاسد طلب لقاءه، وكان الموضوع الوحيد: توطين فلسطينيين في مناطق الجزيرة، واجبته باننا سندرس الموضوع، ثم طرحت الموضوع في اجتماع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، واخبرت اخواني مقدما رايي الرافض، وقلت: الله، هل سنتحول من ضحايا الى جلادين؟
واخبرني مرة اخرى ان – صدام حسين – طلب منه نفس الشيء عن توطين فلسطينيين في كردستان العراق.

لذلك، وفي الذكرى السنوية الواحدة والخمسين لمخطط الحزام، اقول واوجه كلامي الى الاخوة والشركاء بدمشق:
ان قطع الطريق على – المخطط – يبدأ بتضمين الدستور مادة تؤكد على التعددية القومية، وعلى وجود الكرد وغيرهم، وضمان حقوقهم، وقبل هذا وذاك اصدار مرسوم رئاسي بابطال مخطط الحزام العربي، واعتباره عنوانا للاضطهاد، والعنصرية، والتفرقة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 Comment
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
Rabhan Rabhan
Rabhan Rabhan
10 شهور

عام 1972 كلفت مع الرفيق خالد ميقري من جانب مسؤولنا الحزبي لمنظمة دمشق عضو المكتب السياسي لحزبننا المرحوم محمد نيو بتوزيع البيان الشهير الذي اعتقل بسببه المرحومان يوسف ديبو وعادل اليزيدي اللذان وزعاه في الجزيرة فوزعناه بكل احياء دمشق ليلا .. https://www.odabasham.net/%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D8%A9-%D8%AD%D8%B1%D8%A9/13228-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%83-%D9%8A%D8%A7-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D8%AC%D9%86%D9%83%D9%88-%D8%A3%D9%8A%D9%82%D8%B8%D8%AA-%D9%84%D9%8A-%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%AA%D9%8A



اقرأ أيضاً ...

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…