المسيح الذي صلب في الدويلعة!

إبراهيم اليوسف

 

لم يكن تفجير كنيسة مار إلياس في حيّ الدويلعة الدمشقي مجرّد جريمة عابرة، بل محطة كاشفة ضمن سلسلة طويلة من استهداف المكوّنات الدينية والتاريخية في سوريا. حيث لم يسقط الضحايا وحدهم بفعل الانفجار البشع، فحسب، بل سقطت معهم بقايا وهم بأن ثمة حرمة للمكان أو لصلاة الإنسان، أيًّا يكن معتقده، في ظل تسيد ثقافة الكراهية والإرهاب وروح الجريمة!

ما جرى في الدويلعة امتداد متصل لما تعرّضت له كنائس عديدة في السنوات الماضية: من تدمير كنيسة الشهداء الأرمن في الرقة وتحويلها إلى محكمة شرعية، إلى ضرب كنيسة مريم العذراء في تل تمر، ضمن حالة اعتداء على إحدى عشرة كنيسة من قبل داعش، ناهيك عن تهجير مسيحيي إدلب، وتحويل بعض الكنائس إلى مقارّ عسكرية، أو إغلاقها- بالكامل- وتركها تحت رحمة الإهمال. عمليات متوالية لا تعبّر عن عداء عابر، بل عن منهجية إقصاء تُدار تحت غطاء أيديولوجي مغلَق.

هذه الممارسات، وإن بدت متفاوتة في حدّتها ومكانها، تشترك في بنية واحدة: نفي المختلف وشيطنته. إذ لم يكن استهداف الكنيسة في الدويلعة سوى حلقة في سياق منظّم لتفريغ البلاد من تنوّعها التاريخي. والمجزرة ليست سوى النتيجة الظاهرة لأفكار تحوّلت إلى فتاوى، ولخطابات تحريضيّة باتت تسوّغ الجريمة باعتبارها واجبًا.

في المقابل، تبدو المفارقة جلية في أن الكنيسة، هنا في أوروبا، تحوّلت إلى مأوى لآلاف المسلمين المهدَّدين بالطرد. لقد فتحت أبوابها وقدّمت المأوى والدعم والاستشارات القانونية دون أي تمييز ديني. لم تسأل اللاجئ عن طائفته، بل رأت فيه إنسانًا بحاجة إلى حماية. ولم تعترض على صلاته، بل احترمت حاجته للطمأنينة، وقدّمت نموذجًا مغايرًا لما يجري في مناطق النزاع.

التفجير الذي استهدف مار إلياس لا يمكن تسويغه، ولا يمكن عزله عن السياق الأكبر الذي يرفض التنوّع، ويحوّل الخلاف الديني إلى مشروع إلغاء. أن يفجّر شخص مكان عبادة، وأن يسوغه آخر بفتوى، وأن يمرّ ثالث بالصمت، فهذا تحالف لا علاقة له بالدين، وإن تذرّع باسمه.

منذ تخريب الكنائس الأشورية مروراً بتحطيم تماثيل العذراء، وليس انتهاءً بتفجير كنيسة مار إلياس، فإن هناك خيطاً ناظماً واحداً: القضاء على حضور مختلف، وفرض شكل واحد للوجود. وهذا لا يُفسَّر بالدين، بل بإرادة الإقصاء، وبتواطؤ خطابٍ لم يمانع استخدام العنف كأداة للهوية.

الدماء التي سالت في الدويلعة لا تُقرأ فقط بوصفها ضحايا، بل كمؤشّر على ما يُراد لمجتمع بأكمله. إذ يُراد من وراء هذه الجرائم بعث رسائل صريحة: لا مكان لكم هنا. وحين لا يُجدي التخويف، يأتي القتل أداة لإتمام المهمة.

ولأن المجزرة لا تكتمل إلا بخطابٍ يوجّه الرأي العام، فقد سارع بعض المغرضين وناشرؤي ثقافة الكراهية والفتنة والأكاذيب في تسييس الجريمة إلى اختراع متّهمين جاهزين ألا وهم: العلويون، الدروز، الكرد. تُستدعى هذه الاتهامات كلما وقعت جريمة، من دون أي سند، خارج مخيلاتهم المتنتنة، سوى الحاجة إلى تحويل الأنظار عن الجناة الحقيقيين، وإعادة إنتاج السرديات الطائفية نفسها، والاستعداء إلى قوميات ومكونات سورية خارج ما يراد تكريسه من مصطلح” أكثروي” غير دقيق. أجل، منهم من راح بعيدًا عن المجزرة لتمرير خطابه وتأليب الناس على هؤلاء، وكأن المأساة لا تكفي، وكأن الدم لا يحسم، فيعود إلى خطاب التحريض القديم ذاته، ويضيف طبقات من سخام وقيح وعفونة أخرى من الكذب فوق ركام العمل الإرهابي الذي اعتمد: الرشاش والقميص المفخخ في آن واحد.

ما يُطلب اليوم ليس الثأر، بل الحقيقة. لا عزاءً شكليًّا، بل تحقيقًا يكشف من خطّط ومَن نفّذ، ومن أمّن الغطاء. لا بيانات تضامنية، بل قرارات توقف المسلسل وتقطع تمويله وتدين منظومته. إذ يبرز -هنا- السؤال الأساسي الذي يخرج من مذبح “مار إلياس” لا يتعلق فقط بالحدث ذاته، بل بقدرتنا كمجتمع على توصيفه بجرأته الكاملة: هل ما جرى جريمة لا بد من وضع حد لها ولمثيلاتها باعتبارها تتكرر بأشكال عديدة، وثمة من ينفخ في الأوار؟ وهل نجرؤ على تسمية ما يتم؟ أم نكتفي بالتنديد إذا كان الفاعل خصمًا، ونصمت إذا كان من المحسوبين علينا؟ وهل لا يزال في هذا الخراب ما يكفي من إنسانية لقول “كفى”؟

بيان وزارة الخارجية والمغتربين، وصف كاتبه الضحايا بأنهم من “طائفة لا من دين”، من دون ورود أية عبارة ترحّم عليهم، لا يعكس فقط خللًا في اللغة، بل انحرافًا في الدور. فالوزارة معنيّة بالعلاقات الدولية، لا بإصدار توصيفات عن المواطنين، ولا بخطاب يُقصي المكوّنات التاريخية لسوريا ويُمعن في تنميطها. أن يُختصر وجود المسيحيين السوريين- وهم أصحاب دين عريق- بوصفهم “طائفة” يُغذّي خطاب التمييز، ويكشف عن جهل مركّب بتاريخ السوريين المشترك، الذي لا يُقاس بالأعداد بل بالتجذّر والفاعلية.

ما جرى في الدويلعة شأن سوريّ بامتياز، لكنه يحمل دلالة تتجاوز المحلي إلى ما هو أعمق: نحن في زمن تُستخدم فيه الطوائف لا لصون الوجود، بل لتسويغ الاجتثاث. لقميص المفخخ ينذر بخطورة استئناف مرحلة أخرى من إراقة الدم السوري، في ظل حالة الفلتان العامة التي تتم: من اختطاف أبرياء وطلب الفدية، ورمي جثث بعضهم في أماكن بعيدة بعد تعذيبهم وقتلهم. الضحية هنا لا تريد رثاءً من أولي، بل فعلًا يوقف التكرار. لأن المجزرة -أولاً وأخيراً- لا تُختم حين تُنسى، بل حين تُسمّى وتُحاسَب.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…