سوريا على عتبة التحول: من الإحياء السياسي إلى النهوض الحضاري

اكرم حسين 
ليست كل لحظة سياسية قابلة لأن تتحول إلى نقطة انعطاف في تاريخ الشعوب، لكن في مسار الدول الخارجة من الحروب والانهيارات، يصبح كل حدث مفصلي مرشحاً لأن يكون بوابة عبور نحو مرحلة جديدة. ما تشهده سوريا اليوم ليس مجرد تبدل في الوجوه أو إدارة انتقالية، بل هو بداية انبثاق لتحول أعمق: تحوّل في الرؤية، في فلسفة الحكم، في وظيفة الدولة ومكانة المواطن، في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وفي تموضع سوريا داخل خريطتها الوطنية والإقليمية والدولية.
لقد جرى اختزال المشهد السوري طيلة العقد الماضي في سردية الموت والخراب، وصُوّرت البلاد وكأنها باتت حطاماً بشرياً وجغرافياً غير قابل لإعادة التشكيل. لكن الحقيقة الأعمق تكمن في أن هذا الانهيار المادي كان نتيجة مباشرة لانهيار سياسي-أخلاقي سبق كل ما تلاه. فغياب العقد الاجتماعي، وتغوّل السلطة الأمنية، وتآكل مؤسسات الدولة، وقمع التعدد، كلّها أسهمت في إنتاج مأساة مركّبة لا يمكن تجاوزها ببناء الجدران وحدها، بل بإعادة هندسة الدولة نفسها من جديد.
اليوم، ثمة مؤشرات تدل على بروز إرادة سياسية تسعى إلى بناء سوريا مغايرة، سوريا لا تكتفي بلملمة الحطام، بل تحاول إعادة تعريف ذاتها. فالدولة لم تعد قادرة على استئناف سرديتها القديمة، ولم يعد المجتمع مستعداً للقبول بالعودة إلى ما قبل لحظة الانفجار. إن ما بعد الحرب ليس امتداداً تلقائياً لما قبلها، بل محطة لإعادة إنتاج المعنى ، ومن هنا، فإن فكرة “النهوض الأعظم” لا ينبغي أن تُفهم فقط كمشروع لإعادة الإعمار، بل كإعادة تشكيل للذات الوطنية بكل مكوناتها السياسية والاجتماعية والثقافية.
النهوض الحقيقي يبدأ من سؤال الدولة: أي دولة نريد؟ هل نريد دولة تقوم على التمثيل الحقيقي لمواطنيها، على التعدد والتوازن، وعلى الفصل بين السلطات واستقلال القضاء، وحرية الإعلام والمجتمع المدني، أم نعيد تدوير نسخة مشوّهة من الدولة الأمنية؟ فالنهوض لا يُقاس بمعدلات الإسمنت والحديد، بل بمدى احترام الحريات، ومدى عدالة توزيع السلطة والثروة، ومدى قدرة النظام السياسي على تمثيل التنوع السوري تمثيلاً فعلياً لا شكلياً.
إن سوريا الجديدة، التي يُراد لها أن تكون “أعظم” مما كانت، تحتاج إلى تفكيك بنية الاستبداد التي أورثت البلاد هذا الخراب. فالتغيير الجوهري لا يكمن في استبدال حاكم بآخر، بل في إعادة تعريف الحُكم نفسه: من سلطة فوقية ترى في الدولة ملكية خاصة، إلى سلطة تشاركية تعتبر نفسها وكيلة ومؤتمنة على إرادة الناس. هذه النقلة لا تُصنع بالشعارات، بل بمراجعات نقدية ومصارحة تاريخية، وبإرادة جريئة لفتح الملفات المسكوت عنها، وإعادة الاعتبار لكرامة الإنسان.
ثمّة أيضاً بعد ثقافي وأخلاقي لهذا التحول. فالمجتمع السوري الذي أُنُهك بالحرب والتشظي، يحتاج اليوم إلى إعادة بناء الثقة الأفقية بين مكوناته، كما يحتاج إلى سلطة شرعية تُنتج الثقة العمودية بينه وبين الدولة. إن إنتاج الثقة من جديد هو التحدي الأكبر: الثقة بالقانون، بالمؤسسات، بالعدالة، بالمساءلة، بالفرص المتساوية، بالتوزيع العادل للموارد، بالقدرة على الاختلاف دون خوف.
من جهة أخرى، فإن عودة سوريا إلى دورها الإقليمي والدولي لا يمكن أن تكون امتداداً لسياسات الماضي، بل يجب أن تنطلق من تموضع وطني متصالح مع الداخل، مستقل الإرادة، منفتح على الجميع دون ارتهان لأجندات الخارج. فقط حين يشعر المواطن السوري أنه يعيش في دولة ذات سيادة حقيقية، تمتلك قرارها، يمكن للبلاد أن تستعيد مكانتها الطبيعية في محيطها العربي والدولي.
لقد آن أوان أن تُبنى سوريا المستقبل على أسس جديدة: دولة مدنية، تعددية، غير مركزية في الإدارة، تتيح تمثيلاً فعلياً لمكوناتها القومية والدينية والمناطقية، وتقوم على عقد اجتماعي جديد يضمن الحقوق ويكفل الحريات. ولا يمكن لهذا المشروع أن يتحقق إلا عبر مرحلة انتقالية واضحة المعالم، تنقل البلاد من الفوضى إلى النظام، ومن الغلبة إلى الشراكة، ومن الخوف إلى الأمل.
القول بأن “القادم سيكون أعظم” لا ينبغي أن يكون مجرد تعبير طوباوي، بل وعد تاريخي مشروط بصدق النوايا، وبمدى الجاهزية لتغيير عميق في بنية السلطة، وبإشراك السوريين –كل السوريين– في صياغة هذا القادم. فالتغيير الذي لا يمر عبر الناس، ولا يراعي تطلعاتهم، سيبقى سطحياً، وعرضة للارتداد.
إن سوريا التي تنهض من تحت الركام اليوم، هي سوريا أخرى: لا تشبه تلك التي سقطت، ولا يمكن أن تُبنى بنفس الأدوات التي أوصلتها إلى السقوط. إنها سوريا الإنسان قبل النظام، والكرامة قبل الشعارات، والشراكة قبل السلطة. سوريا لا تتجمّل في الخارج بينما تنزف في الداخل، بل تتعافى من الداخل لتستعيد وجهها الحقيقي أمام العالم.
لهذا، فإن لحظة النهوض ليست فرصة تقنية، بل لحظة وجودية تقتضي حُسن اغتنامها، وإلا فإن البلاد ستظل تراوح في دائرة الإعمار المادي دون أن تبلغ المعنى الحقيقي للانبعاث.
سوريا تقترب من الحلم… لكن هل نملك الشجاعة والوعي الكافيين لجعل الحلم واقعاً؟ هذا هو التحدي الأخطر، والأعظم…!.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

علي شمدين من المعلوم أن الواقع الذي تعيشه الحركة الكردية في سوريا اليوم، من التشتت والتمزق والانقسامات، قد تجاوز حدود المنطق السياسي والأصول التنظيمية المعروفة، الأمر الذي يكاد يفقدها شرعية تمثيل القضية التي من أجلها بادر المؤسسون الأوائل إلى الإعلان عن انطلاقتها منذ ما يقارب ستة عقود، وقد شكلت الأنانيات الشخصية والحزبية الشرارة الأولى التي أضرمت الخلافات داخل صفوفها، ولسنا…

عبد الرحمن حبش منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، وجد الكورد في سوريا أنفسهم أمام فرصة تاريخية غير مسبوقة لإعادة طرح قضيتهم القومية على المستوى الدولي، مستفيدين من التحولات الكبرى التي ضربت بنية الدولة السورية، ومن المتغيرات الإقليمية والدولية التي فرضتها الحرب. وللمرة الأولى، تحولت القضية الكوردية في سوريا من ملف محلي مهمش إلى قضية حاضرة في النقاشات الدولية…

ماهين شيخاني   حين يصبح البقاء السياسي أخطر من خسارة القضية في اللحظات التاريخية الكبرى، لا تُقاس مواقف الشعوب بما تقوله بياناتها السياسية، بل بما تحفظه من حقوقها وهي تدخل غرف التسويات. وسوريا اليوم تقف على واحدة من أخطر هذه اللحظات؛ دولة مدمّرة، سلطة انتقالية مرتبكة، إقليم مشتعل، وقضية كوردية تبحث عن مكانها في خارطة ما بعد الحرب. بعد الاتفاقات…

حسن صالح بعد إتفاق باريس مطلع هذا العام، بدأت المؤامرة على مستقبل القضية الكردية في غربي كردستان، حيث تم إرضاء إسرائيل بحرية التصرف في الجنوب السوري، وتمكين النفوذ التركي في شمال سوريا ، مع التخلي الأمريكي عن قسد وإنهاء مهمتها في محاربة داعش، رغم التضحيات الجسام بعشرات الآلاف من شباب وبنات الكرد، ويبدو أن تخلي أمريكا وتحالفها الدولي عن قسد،…