في لحظة مفصلية… وحدة الموقف الكوردي أولًا

يسرى زبير

 

في مرحلة حساسة من تاريخ القضية الكوردية، ومع توجه وفد كوردي سياسي رسمي إلى دمشق، تبرز بعض الأصوات المشككة بتركيبة الوفد، وتتساءل: لماذا لم يُشرك الأكاديميون والمثقفون ضمن هذا التمثيل؟

من المهم أولًا التأكيد أن هذه اللحظة ليست مناسبة للتشكيك أو التفريق، بل هي لحظة تتطلب دعمًا جماعيًا ورؤية موحدة. كما أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال التقليل من أهمية الأكاديميين والمثقفين، فهم يشكلون ركناً أساسياً في بناء مستقبل الشعب الكوردي، ومن خلال رؤاهم وتطلعاتهم يسهمون في تعزيز الوعي، وترسيخ الهوية، والدفع نحو دولة القانون والمؤسسات. لكن لا بد من التوضيح أن هذه المرحلة تحديدًا، هي سياسية بامتياز، وتستلزم أن يتصدرها ممثلو القوى السياسية الفاعلة، لكونهم المخوّلين بخوض التفاوض باسم الحركة السياسية الكوردية.

ولعلنا جميعًا نتذكر أن الدعوات لتجاوز الانقسام الكوردي، والتي انطلقت من الشارع الكوردي نفسه، هي التي مهدت الطريق لعقد لقاءات تحت رعاية دولية، خصوصًا من قبل فرنسا والولايات المتحدة، بهدف التقارب بين المجلس الوطني الكوردي والإدارة الذاتية. تلك الجهود أثمرت عن التفاهم على عقد مؤتمر كوردي جامع تحت شعار وحدة الصف والموقف الكوردي وتشكيل وفد تفاوضي يضم تسعة قياديين من مختلف الأطراف السياسية.

اليوم، وبينما يُمارَس الوفد دوره التفاوضي في دمشق، تظهر تساؤلات متأخرة حول غياب الأكاديميين، علمًا أن الدعوات السابقة كانت موجّهة أساسًا للقوى السياسية لتجاوز خلافاتها وتشكيل رؤية موحدة. ولو كانت هناك مبادرات مماثلة من قبل الأكاديميين والمثقفين لعقد مؤتمر موحد أو تشكيل لجنة تمثيلية، لكانت محل ترحيب أيضًا.

لكن الحقيقة أن الأدوار تكاملية، وليست متضادة. فالسياسي يُفاوض ويقود المرحلة الراهنة، بينما يهيئ الأكاديمي والمثقف الأرضية المجتمعية والثقافية لأي مشروع مستقبلي. وهذه اللحظة تتطلب من الجميع أن يكونوا على قدر المسؤولية، لا بالتنافس على التمثيل، بل بدعم الوفد السياسي الموحّد ومساندته، لأنه يمثل ثمرة تفاهمات وتوازنات دقيقة داخل الحركة السياسية الكوردية.

لنكن منصفين، ولنضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. فالقضية الكوردية اليوم بحاجة إلى صوت موحد، وإلى اصطفاف تاريخي لا مكان فيه للتشويش أو التنازع. فكل من موقعه، سياسيًا كان أو أكاديميًا أو ثقافيًا، قادر أن يسهم في حماية الحلم الكوردي: الحرية، والكرامة، وتقرير المصير.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

وردنا اليوم خبر مؤلم من أحد المفرج عنهم من سجن علايا، يفيد بأن ابننا ديار مستو قد أُصيب داخل السجن بمرض الربو، نتيجة الأوضاع الصحية والإنسانية المتردية السائدة هناك. وبحسب ما نُقل إلينا، فإنه يعاني من نوبات متكررة من ضيق التنفس، ويضطر إلى استخدام البخاخ بشكل متواصل، وفي بعض الأحيان يُسمح له بالخروج من المهجع لالتقاط أنفاسه عندما تشتد عليه…

الأستاذ وليد جنبلاط المحترم تحية طيبة في الذكرى السنوية لاستشهاد المعلم والقائد الوطني صديق شعبنا الكردي وسائر الشعوب المناضلة من اجل الحرية الراحل كمال جنبلاط . لقد تعاملنا مع الشهيد عن كثب قبل ، وخلال الحرب الاهلية ، وكنا معه ومع قادة العمل الوطني في لبنان من مؤسسي الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة تلك القامة العالية ، والعاملين في مختلف مؤسساتها…

د. محمود عباس لم يكن البيان الذي أصدرته وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان مجرد رد إداري على اتهامات أطلقتها وزارة النفط في بغداد، بل كان في جوهره محاولة لوضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدًا عن السرديات السياسية التي تُصاغ أحيانًا لتغطية أزمات أعمق في بنية العلاقة بين المركز والإقليم. فالقضية المطروحة اليوم ليست مسألة تقنية تتعلق بتصدير النفط…

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…