لماذا أصيب نظام إيران بالذعر؟

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)*

النظام الديني الحاكم في إيران، الذي بنى أسس بقائه على القمع والإرهاب وتصدير التطرف الديني ونفي الحريات، يعيش خلال السنوات الأخيرة حالة من الخوف الشديد جراء تنامي الدعم الدولي للمقاومة الإيرانية، وبشكل خاص للسيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية. الحقيقة أن أي شرعية سياسية أو دولية تكتسبها المقاومة تشكل خطرًا جسيمًا على بقاء هذا النظام المتداعي، لأنها تؤشر إلى اقتراب بديل ديمقراطي حقيقي وموثوق لمستقبل إيران. 

خلال الأشهر الأخيرة، سُجّلت مستويات لافتة من الدعم الدولي للمقاومة الإيرانية: فقد أيّدت أغلبية أعضاء الكونغرس الأمريكي، من خلال قرار، برنامج السيدة مريم رجوي المكوّن من 10 نقاط. كما أعلنت أغلبية برلمان مالطا، وأغلبية مجلس اللوردات البريطاني، وأكثر من 330 نائبًا في مجلس العموم البريطاني، إلى جانب العديد من الدول الأوروبية، دعمهم للمقاومة الشرعية للشعب الإيراني. هذا الحجم من الدعم، دون شك، قد دق ناقوس الخطر لنظام ولاية الفقيه، وأثار ردود فعل عصبية من مؤسسات النظام، بما في ذلك البرلمان ووزارة الخارجية الإيرانية. 

السؤال الأساسي هو: لماذا تُثير هذه الدعم هذا المستوى من الذعر بين قادة النظام؟ الإجابة تكمن في الطبيعة الهيكلية لنظام الجمهورية الإسلامية. فالنظام الذي يقوم أساسًا على نفي الديمقراطية، وإنكار الحريات الفردية والاجتماعية، وفرض القمع الواسع، لا يمكنه تحمل وجود بديل ديمقراطي منظم وعلماني يقوم على المساواة بين الجنسين. هذا البديل، الذي ليس مجرد نظري، بل عملي وميداني، ويتمتع بقاعدة شعبية وتاريخية، يشكل تهديدًا وجوديًا لهذا النظام.

ردود الفعل الحادة من النظام تجاه إقرار هذه القرارات والدعم الدولي، بما في ذلك استدعاء سفراء الدول الغربية، وإصدار بيانات رسمية من مجلس الشورى الإسلامي ووزارة الخارجية، واستخدام وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية للهجوم على المقاومة، تكشف عن أعمق مستويات القلق داخل الهيكلية السياسية الحاكمة. هذه الهجمات تظهر أن النظام الإيراني ليس فقط عاجزًا عن قبول تيار سياسي منافس، بل يرى نفسه مهددًا بالانهيار أمام أي تسويغ دولي للمعارضة.

من جهة أخرى، يدرك النظام جيدًا أن نشاط “وحدات الانتفاضة” التابعة للمقاومة داخل البلاد قد تحدى النظام السياسي الحاكم مرات عديدة. هذه الوحدات، التي تنشط في قلب المدن والأحياء الإيرانية، لعبت دورًا كشعلات متقدة للاحتجاجات الشعبية، ومؤخرًا في احتجاجات الخبازين وسائقي الشاحنات ضد النظام، حيث نجحت في الحفاظ على روح المقاومة حية داخل المجتمع. إدراك وجود هذه الشبكة النشطة داخل البلاد، خاصة عندما يترافق مع الدعم السياسي والقانوني على المستوى العالمي، يجعل النظام يعيش كابوسًا دائمًا.

في هذا السياق، بدأ النظام الديني الإيراني حملة واسعة لتشويه سمعة المقاومة والسيدة مريم رجوي. استخدام العناصر المتسللة في وسائل الإعلام الفارسية خارج البلاد، وتوظيف عملاء استخباراتيين بغطاء محللين وصحفيين، ونشر أخبار مزيفة وتقارير محرفة عن أنشطة المقاومة، بل وحتى الاستعانة بعناصر وتنظيمات مرتبطة بالديكتاتورية الشاه  المخلوع، كلها جزء من هذا الهجوم المنظم. الهدف من هذه الدعاية ليس إقناع الرأي العام، بل زرع الشك بين داعمي المقاومة دوليًا وتقليص الشرعية المتزايدة لها.

ومع ذلك، فإن ما يجري على أرض الواقع في إيران يختلف اختلافًا صارخًا عن هذه الدعاية. لقد انتفض الشعب الإيراني منذ سنوات ضد الاستبداد الديني. أظهرت انتفاضات أعوام 2017 و2019 و2022 بوضوح أن الشعب لم يعد يرغب في استمرار هذا النظام، ويسعى إلى تغيير جذري في الهيكلية السياسية للبلاد. فهم في شعاراتهم لا ينفون شرعية هذا النظام فحسب، بل يهتفون مطالِبين باستبداله بـ”جمهورية ديمقراطية” و”حرة” تُمثلها السيدة مريم رجوي.

قدمت السيدة مريم رجوي والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في هذا السياق خطة واضحة تتماشى مع القيم العالمية. يُعتبر البرنامج المؤلف من 10 نقاط، والذي يشمل فصل الدين عن الدولة، المساواة بين الرجل والمرأة، إلغاء عقوبة الإعدام، الحكم الذاتي للقوميات والأعراق الإيرانية، وإقامة علاقات سلمية مع الدول المجاورة، نموذجًا حديثًا لمستقبل إيران.

لهذا السبب، يُعد الدعم العالمي لهذه المقاومة أكبر تهديد لاستمرار هيمنة الجمهورية الإسلامية. فهذه الدعم ليس سياسيًا فحسب، بل يُمثل رمزًا لبداية نهاية الديكتاتورية الدينية في إيران. اليوم الذي ستحقق فيه مقاومة الشعب الإيراني، بدعم دولي، النصر النهائي، سيكون بداية عصر جديد في تاريخ إيران والمنطقة.

***

*کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني

 

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…