ليست “أكاذيب” بل حقوق…!

اكرم حسين
في خضم التحولات المصيرية التي تعصف بسوريا منذ عام 2011، بات من الواضح أن النقاش حول مستقبل الدولة السورية لا يمكن فصله عن سؤال الهوية الوطنية الجامعة، والاعتراف الصريح  بحقوق كافة مكوناتها ، وخاصة القومية منها ، وفي هذا السياق، يطل علينا خطاب يعيد إنتاج سردية الإنكار، فيصف المطالب القومية والحقوق الثقافية والسياسية بأنها “أكاذيب”، ويرى فيها مدخلاً لمشروع التقسيم والانفصال….!
هذا الخطاب، مهما تلون بلغة الدولة والسيادة، يبقى أسيراً لعقلية مركزية قسرية لا تؤمن بالحوار، ولا تعترف إلا بنمط واحد للانتماء، هو الانصهار القهري في نموذج سلطوي ماضوي ومتهالك ، والحقيقة التي ينبغي أن تُقال بلا مواربة، هي أن الاعتراف بحقوق المكونات القومية والثقافية ليس انقساماً أو  مناورة ظرفية، بل هو المعيار الحاسم لمدى نضج أي مشروع وطني ديمقراطي. فالمطالبة بالحقوق القومية ليست “أكاذيب” ، بل هي حق مشروع ، ودعوة لعدالة مؤجلة…!
من يختزل مطالب الكرد أو السريان أو غيرهم من المكونات في إطار “مشاريع انفصال”، يتجاهل عمداً قرناً من الإقصاء، والحرمان، ومحاولات الصهر القومي ، ويتناسى أن الدولة التي لا تعترف بتعدد مكوناتها، ولا تصغي لمطالبهم المشروعة، إنما تؤسس لانفجار داخلي دائم، وتزرع بذور الشك في مفهوم الانتماء الوطني نفسه. أما الدولة التي تعترف بتنوعها، وتصونه عبر دستورعادل، ومؤسسات تمثيلية، وإدارة لامركزية، فهي التي تبني الوحدة الحقيقية، دون القوة والسلاح..؟
لقد أثبتت تجارب  التاريخ، القريب والبعيد، أن المركزية الشديدة هي الحاضنة الأولى للانفصال والانقسام، وأن اللامركزية ، حين تكون مؤسسة على عقد وطني جامع، هي صمام الأمان للدولة، وليست خطراً عليها. 
الخلط المتعمد بين المطالبة بالحقوق القومية والانفصال، هو خلط مقصود وظالم. فالكرد لم يرفعوا يوماً شعار تقسيم سوريا، بل طالبوا بسوريا لكل السوريين، دولة تعددية ديمقراطية تضمن الشراكة الحقيقية. لكن يبدو أن البعض لا يزال يرى في أي صوت مختلف تهديداً، وفي أي ثقافة غير المركزية عدواً. تلك ذهنية لا تصنع دولة، بل تكرر أخطاء الأنظمة الشمولية، مهما رفعت من شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان .
إن الذين يدّعون بناء “سوريا الموحدة” عليهم أن يدركوا أن وحدة الجغرافيا لا تصمد دون وحدة الرؤى والحقوق ، ولا معنى لسوريا جديدة على أنقاض الإنكار والتهميش. فالدولة الوطنية الحديثة ليست تلك التي تفرض الصمت على التنوع، بل التي تحتضنه ضمن نظام سياسي ديمقراطي تشاركي يعكس إرادة كل أبنائها ، وحين نقول إن الاعتراف بالحقوق القومية هو معيار الديمقراطية، فإننا لا نغالي، بل نصف الحقيقة المجردة: لا توجد دولة ديمقراطية واحدة في العالم تنكر على شعوبها هوياتهم ولغاتهم وخصوصياتهم الثقافية والسياسية.
لذلك، فإن أي مشروع سياسي يتجاهل هذه الحقائق، ويراهن على نفي التعددية بحجة حماية السيادة، إنما يجهز الأرضية لانفجار قادم ، ولن يصمد أمام واقع الشعوب ومطالبهم. فسوريا لا تحتاج إلى خطاب فوقي يعيد إنتاج “الدولة الأمنية” بلباس مدني، بل إلى ميثاق وطني جديد يعترف صراحة بحقوق الكرد، والسريان، والآشوريين، والتركمان، والدروز، والعلويين، وسائر الطيف السوري. دولة تتسع للجميع، وتبنى على قاعدة الشراكة و الحوار.
ولعل ما يثير الاستغراب ، هو أن البعض ما زال يطالب القوى السياسية الكردية بـ”الاعتراف بالحقائق” والانخراط في مشروع الدولة السورية الجديدة، بينما هو ذاته يرفض أبسط حقوقهم، ويصف نضالهم بالغير مشروع . فأي منطق هذا الذي يدعو إلى الوحدة ويشترطها بالتنازل عن الذات؟ كيف يمكن بناء عقد وطني جامع مع طرف يرى في الآخر خطراً وجودياً يجب نفيه أو صهره؟
إن الأوان قد آن لأن نخرج من هذه الذهنية الإقصائية، وأن نفهم بأن الاعتراف بالتعددية ليس تنازلاً أو خطراً، بل هو مكسب وطني للجميع. نعم، سوريا المستقبل يجب أن تكون موحدة، ولكن ان تقوم على العدل، والشراكة، واللامركزية ، والاعتراف بالمكونات القومية كشركاء، لا كتوابع .
في الختام، نقولها بوضوح: حقوق المكونات ليست “أكاذيب”، بل حقائق راسخة في الأرض والوجدان، ومن يقيس الديمقراطية بنفي هذه الحقوق، فإنه ينتمي للماضي ، لا للمستقبل .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان من المؤسف أن يظهر بيننا اليوم بعض الكتبة حديثي العهد ممن يتعاملون مع تاريخ الكتابة والإبداع الكوردي وكأنه بدأ معهم، فيسارعون إلى التشكيك في إنتاج كتاب ومفكرين وأكاديميين كورد، وكأن ما سبقهم لم يكن موجوداً، أو كأن الكتابة لم تكن لها أثمانها في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي، ولا الذكاء الاصطناعي، ولا تلك المساحات…

علي جزيري يُضفي الموقعان الفلكي والجغرافي أهمية جيوبولوتيكية على بلاد الكرد؛ وتضفي مساحتها التي تناهز مساحة فرنسا القارية، وتركيبها الجيولوجي، ووقوعها في قلب الشرق الأوسط أهمية استراتيجية بالغة، ولاسيما أنها تطفو على بحر من النفط والغاز، وكانت تمرُّ فيها قديماً طرق (الحرير البرية القادمة من الصين، والتوابل من الهند، والبخور من شبه الجزيرة العربية متجهة نحو البحر المتوسط وأوروبا)، إضافة…

عمر كوجري / رئيس تحرير صحيفة كوردستان تأسس حزب العمال الكردستاني عام 1978 من قبل مجموعة من المثقفين الكورد والأتراك، وكان هدفه الأساسي والرئيسي وقتذاك (تحرير وتوحيد كوردستان) ولأنه جاء، وتأسس بهدف دسم وقوي، فقد استطاع أن يكوّن أرضية قوية وصلبة من المؤيدين، وخاصة فئة الشباب آنذاك استفاد الحزب بطبيعة الحال من الوضع السياسي غير المستقر والمتأزم للحركة السياسية الكوردية…

كۆهدرز تمر إن مصائر الشعوب، ودماء أبنائها، وقضاياها الوطنية ليست مجرد حقول تجارب للأفراد أو الأحزاب أو التنظيمات؛ بل هي أمانة تاريخية كبرى تثقل كواهلهم. لذا، واستناداً إلى الأعراف السياسية والأخلاقية، نرى لزاماً على القيادات التي تفشل في تحقيق طموحات شعوبها وأنصارها أن تتحلى بجرأة الاستقالة والاعتذار أمام الشعب والتاريخ. إن جرَّ شعبٍ بأكمله لعقود من الزمن تحت بريق…