القضية الكوردية بين الماضي والحاضر

عبد الغني سليمان

 

    منذ بدايات القرن العشرين، ومع بلورة فكرة القوميات وإنشاء الدول والكيانات القومية، برزت محاولات عديدة من الشعب الكوردي للحاق بركب هذه الدول. كما ظهرت شخصيات كوردية استحقّت بجدارة أن نُطلق عليها لقب القادة الشجعان، فإنّ هؤلاء لم يتوانوا لحظة في النضال والدفاع عن قضية شعبهم وأرضهم، بما امتلكوه من إمكانيات ربما كانت بسيطة وضعيفة مقارنة بالدول والقوميات الأخرى.

    فقد انطلقت منذ ذلك الحين عدّة ثورات تحررية كوردية بقيادة رجال دين آمنوا بعدالة قضيتهم وحقّهم في الوجود، مثل الشيخ النهري وبيران في كوردستان تركيا، والحفيد وبارزان في إقليم كوردستان. ولم يقتصر النهوض القومي على رجال الدين فقط، بل امتدّ إلى النخب الثقافية والاجتماعية، كما في كوردستان إيران بقيادة قاضي محمد والدكتور قاسملو، وفي كوردستان سوريا مع شخصيات مثل العم عثمان والدكتور نورالدين ظاظا. ولم تتوقف جذور النضال عندهم، بل امتدت حتى يومنا هذا.

لكن، كانت هناك عوائق كثيرة وقفت بالمرصاد لإرادة الشعب الكوردي وقياداته، ومنعته من بناء دولته المنشودة، بل حتى من الحصول على الاعتراف بوجوده كشعب يتجاوز تعداده الستين مليونا.

   وقد تنوعت هذه العوائق بين أسباب داخلية مرتبطة بالعامل الذاتي، وبأيديولوجيات لجماعات ارتبطت بمصالح خاصة وآنية، وضعت القضية الكوردية الكبرى في خدمة مشاريعها الصغيرة، وبين سياسات الدول والحكومات المعادية للقضية الكوردية، والتي – للأسف – كانت تتفوق بكثير على السياسة التي انتهجها الكورد أنفسهم، حتى أنها استطاعت شراء ذمم بعض ضعاف النفوس من الكورد، وإقناعهم بالعمل ضد الفكر القومي، وضد مشروعية المطالبة بالوجود القومي الكوردي في المنطقة، رغم امتلاك الكورد كل المقومات التي تؤهلهم ليكونوا شعبا أصيلا، يعيش على أرضه التاريخية.

   اليوم، وفي ظل المتغيرات الدولية، وبعد حرب الخليج الأولى والثانية، ومع وجود إقليم كوردستان ككيان معترف به نسبيا، وتوافر العاملين الأساسيين، الذاتي والموضوعي، يمكن القول إنّ القضية الكوردية قد قطعت أشواطا كبيرة، وبات حلّها ضرورة أساسية لاستقرار منطقة الشرق الأوسط.

    يظهر ذلك من خلال الدور الريادي الذي لعبته وما زالت تلعبه حكومة إقليم كوردستان، بقيادة الزعيم والمرجعية الكوردية مسعود البارزاني، في الارتقاء بالقضية الكوردية إقليمياً ودولياً، وتحويلها من قضية جماعات متمرّدة على الحكومات التي تحتل كوردستان، إلى قضية شعب وأمة تستحق أن يكون لها دولتها المستقلة، أسوة بباقي شعوب المنطقة.

وبفضل حكمته وحنكته السياسية، استطاع الرئيس البارزاني إقناع كثيرين ممّن كانوا يعادون الشعب الكوردي ويقفون في وجه حقوقه القومية المشروعة، بأن القضية الكوردية قد خرجت من الظل إلى النور، وأنّ أوان حلّها قد آن، ولكن بالطرق السلمية، لا عبر الكفاح المسلح والحروب.

   إن تطور إقليم كوردستان اقتصادياً وعمرانياً وعسكرياً وسياسياً، وبناؤه لعلاقات حسن الجوار، وعقده لاتفاقيات شراكة دولية وإقليمية، كلها شواهد حية على الدور الكبير الذي تتبناه سياسة الإقليم على الصعيد المحلي.

   من الأمثلة البارزة على هذا الدور، ما قامت به حكومة الإقليم في الوساطة بين الدولة التركية وحزب العمال الكوردستاني على مدى عقد من الزمن، والتي تكللت بالنجاح عبر التوصل إلى اتفاق لعملية السلام، ووقف إطلاق النار، وذلك بعد رسالة أوجلان إلى الحزب لحل نفسه، وبدء تنفيذ عملية السلام المنشودة بين الشعبين الكوردي والتركي.

  لا يمكن تجاهل الدور البارز للرئيس البارزاني في توحيد الصف الكوردي في كوردستان سوريا، من خلال عقد مؤتمر 26 نيسان، الذي شكّل محطة فارقة في بلورة موقف كوردستاني موحد، ودلّ بشكل واضح على أهمية بناء علاقات كوردستانية بنّاءة، وعلى أن القضية الكوردية، في جميع أجزاء كوردستان، هي قضية جوهرية ينبغي حلّها وفق العهود والمواثيق الدولية، وبطريقة تليق بالشعب الكوردي وتضحياته.

    لا نغفل كذلك الدور الإقليمي والدولي الذي تقوم به حكومة الإقليم من خلال الزيارات والجولات الدبلوماسية التي تجمعها مع دول الجوار، ودول الاتحاد الأوروبي، بل وحتى الولايات المتحدة الأميركية. كما أن انفتاحها على العالم من خلال فتح السفارات والقنصليات في هولير عاصمة الإقليم، هو خير دليل على متانة العلاقات الإقليمية والدولية للإقليم.

   لقد أصبحت القضية الكوردية في الشرق الأوسط قضية مركزية، وبات حلّها بالطرق السلمية ضرورة حتمية، إذ تمثل أحد أهم وأكبر مفاتيح الاستقرار في المنطقة. كما أن أي نهوض اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتم دون المرور من بوابة كوردستان، وبدون هذا الحل ستبقى المنطقة رهينة اللا استقرار، لا سلام فيها ولا نهضة في السياسة أو الاقتصاد.

===========

كوردستان – العدد 753

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…