الصبر قيمة استراتيجية وليست ضعفًا

نجاح هيفو

لطالما كانت مشاركة المرأة في الحياة السياسية والاجتماعية انعكاسًا حيويًا لمستوى الوعي الديمقراطي في المجتمعات. إلا أن هذا الانخراط، لا سيما في الأوساط الاعتبارية والسياسية، يتطلب من المرأة صبرًا مضاعفًا، ووعيًا عميقًا بدورها، وإيمانًا راسخًا بعدالة القضية التي تمثلها. وتزداد هذه المسؤولية أهمية حين تكون هذه القضية حقوق شعب مضطهد، كالشعب الكردي الذي لا يزال يناضل من أجل هويته، لغته، وحقوقه المشروعة.

المرأة في مواجهة الاعتبارات الذكورية
إن دخول المرأة إلى الوسط الاعتباري والسياسي لا يكون في مواجهة سياسات أو برامج فقط، بل غالبًا ما يصطدم بعقلية ذكورية متجذّرة، لا تزال تُعيد تقييم الكفاءة على أساس الجنس لا على أساس الكفاءة والإنجاز. كثيرًا ما تُختزل قدرات المرأة في انفعالات عاطفية أو يُشكّك في قدرتها على اتخاذ القرار، رغم أن الوقائع والشواهد تثبت عكس ذلك تمامًا. لقد أثبتت المرأة، في كل ساحات النضال والعمل، أنها تمتلك من الوعي والصلابة والحكمة ما يجعلها شريكًا أساسيًا في صناعة القرار، لا مجرد تابع أو واجهة.

لا تنتظر المدح… لأنها تحمل ما هو أثقل
المرأة التي تختار هذا الطريق لا تنتظر التصفيق، ولا تبحث عن كلمات مدح عابرة، لأنها ببساطة لا تمثل نفسها فقط. إنها تحمل على كتفيها قضية كبيرة، تتجاوز الطموح الشخصي لتتجسّد في الحرية، الكرامة، العدالة، وحقوق الإنسان. المرأة السياسية الكردية، على سبيل المثال، لا تدخل المؤتمرات أو اللقاءات لتُكرّم، بل لتكون الصوت الذي ينقل وجع أم شهيد، وأنين معتقل، وحق لاجئ حُرم من العودة ولغة حُوصرت لعقود. هي لا تطلب الاعتراف، بل تصنعه بالفعل والموقف.

الصبر: قيمة استراتيجية لا تعني الضعف
في عالم السياسة، حيث تتداخل المصالح وتتناقض الاتجاهات، يصبح الصبر أداة استراتيجية لا غنى عنها. لكن لدى المرأة، يأخذ الصبر طابعًا خاصًا، لأنه لا يواجه فقط العقبات السياسية، بل أيضًا الثقافية والاجتماعية. هو صبر على التهميش والإقصاء، على الشك والاتهام، على التشكيك حتى من داخل الصف. ومع ذلك، لا يكون الصبر ضعفًا أو خضوعًا، بل هو نوع من الثبات، وموقف واعٍ يؤمن بالتغيير المتدرج القائم على الفعل المستمر لا على الخطاب العابر.

المرأة الناجحة لا توقفها قرارات… بل تتجاوزها بحكمة
إن المرأة الواعية بدورها، المثابرة في مسارها، لا توقفها قرارات إدارية أو محاولات تهميش. هي تدرك أن المناصب تأتي وتذهب، لكن الأثر الحقيقي يبقى في مواقفها وثباتها. هي لا تصطدم بالعقبات، بل تتجاوزها بدبلوماسية وحنكة، وتحول كل محاولة إقصاء إلى فرصة جديدة للتركيز على الجوهر لا الشكل. فالمرأة التي بنت نفسها بين التحديات، لا تنتظر موقعًا لتكون مؤثرة، بل تستثمر في الفعل والنتائج، وتستمر في تمثيل شعبها بكرامة ومسؤولية، سواء كانت في موقع رسمي أو خارجه.

تمثيل المرأة لقضية شعب: مسؤولية لا شرف فارغ
حين تمثل المرأة قضية شعب كالقضية الكردية، فإنها تدرك تمامًا أنها لا تمثل فردًا بل أمة. مسؤوليتها ليست تشريفًا، بل تكليفًا يحتاج إلى رؤية شاملة، معرفة سياسية، ووعي اجتماعي. كل موقف تتخذه، وكل كلمة تنطق بها، لها أبعاد تتجاوز اللحظة، وتؤثر على صورة القضية في الداخل والخارج. ولذلك، فإن هذا التمثيل لا يُقاس بعدد الاجتماعات أو الصور المنشورة، بل بصدق الانتماء واستمرار الالتزام رغم الصعوبات.

المرأة التي تخوض غمار السياسة والفضاء الاعتباري، تفعل ذلك إيمانًا بقدرتها على التغيير، لا رغبة في الظهور. هي تعرف جيدًا أن الصمت أحيانًا حكمة، وأن المديح لا يصنع المصداقية. ولذلك، فإنها تمضي في طريقها بصمت، بثقة، وبقوة نابعة من قناعة داخلية لا تحتاج إلى دعم خارجي. لأنها ببساطة، ليست هناك لتُرضي أحدًا، بل لتُنجز ما تؤمن به، حتى النهاية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…