إعادة التوازن الديمغرافي في غربي كوردستان ضرورة تاريخية وعدالة مؤجلة – 1/4

د. محمود عباس

 

في قلب التحولات الجيوسياسية التي تمزّق الجغرافيا السورية وتعيد تشكيل ملامحها قسرًا، تبرز إحدى القضايا الأخطر والأكثر حساسية، قضية التغيير الديمغرافي الممنهج الذي طال عمق غربي كوردستان، من ديركا حمكو إلى عفرين وما بعدها.

فما حدث لم يكن تحولًا سكانيًا عفويًا، ولا نتيجة عرضية لحروب طارئة، بل كان مشروعًا منظمًا استهدف البنية السكانية الكوردية، وسعى إلى تمزيق الامتداد الجغرافي والاجتماعي المتصل للكورد في أرضهم التاريخية.

من هنا، فإن أي حديث عن حل عادل لغربي كوردستان، أو عن مستقبل سوري يستند إلى العدالة وبناء الوطن، يظل ناقصًا ما لم يتناول هذه الجريمة المركبة، التي تنقّلت أدواتها من التهجير الصامت إلى الاستيطان القسري، ومن التشريعات الاستثنائية إلى الحروب بالوكالة، كغزو عفرين وسري كانيه وكري سبي.

هذه المنطقة، التي شكّلت عبر قرون نسيجًا ديمغرافيًا كوردستانيًا متماسكًا، واحتضنت تنوعًا ثقافيًا ودينيًا غنيًا ضمن إطار قومي وجغرافي واضح، تعرضت لهندسة سكانية قسرية، بدأت ملامحها منذ عهد حزب الشعب، وتبلورت في زمن الوحدة السورية–المصرية، ثم ترسّخت في عهد البعث، وبلغت ذروتها مع النظام الأسدي، عبر سياسات منظمة هدفت إلى طمس الهوية، وتفكيك البنية السكانية، وتشتيت المجتمع الكوردي.

ليس ما جرى مجرد عبث ديمغرافي، بل مشروع اجتثاث طويل الأمد، استند إلى قرارات فوقية ومراسيم عنصرية، وتجنيس انتقائي، واستيطان موجه، وانتهى بحروب هجّرت مئات الآلاف من السكان الأصليين.

فقط حين تُستعاد الملامح السكانية الأصيلة، ويُزال التشويه الذي أحدثته هذه السياسات القسرية، يمكن أن يُبنى على أرضية حقيقية، ويُعاد الاعتبار للعمق الديمغرافي الكوردي في غربي كوردستان، لتكون ركيزة لأي مشروع وطني عادل لسوريا المستقبل.

لذلك، فإن من أولى مسؤوليات الحراك الكوردي، كما الحكومة السورية الانتقالية أو أي نظام وطني قادم يسعى إلى ترميم الدولة على أسس العدالة والاعتراف المتبادل، أن يجعل من معالجة الكارثة الديمغرافية التي لحقت بغربي كوردستان أولوية سياسية وأخلاقية لا تقبل التأجيل.

فما فعله حزب البعث، ومن بعده نظاما الأسد الأب والابن، لم يكن سوى استكمالٍ ممنهجٍ لسياسات الإقصاء والاقتلاع التي أرستها حكومة الوحدة السورية–المصرية، والتي سنعود إليها لاحقًا، وكانت تمهيدًا لإحدى أبشع فصول التغيير الديمغرافي في التاريخ السوري الحديث.

 ففي عام 1962 صدر مرسوم كارثي يقضي بسحب الجنسية من أكثر من 250,000 كوردي، ضمن عملية منظمة حوّلتهم إلى “مكتومي القيد”، أي إلى بشر بلا هوية، بلا وطن، بلا قانون، لم يعودوا ينتمون إلى أي دولة على وجه الأرض، وكأنهم وُجدوا ليُمحَوا.

هؤلاء لم يكونوا مهاجرين ولا وافدين، بل أبناء الأرض وأصحابها، جذورهم مغروسة بين صخور جبل كزوان، وعلى ضفاف دجلة والخابور، من العشائر الكوردية العريقة، فجأة، وبجرة قلم، سُلبت هويتهم، وجُرّدوا من أبسط حقوق الإنسان، لا لذنب سوى أنهم كورد، ينتمون إلى شعب قُسّم عنوةً في اتفاقية سايكس–بيكو، ومزّقت أوصاله بين أربع دول، ليجد نفسه غريبًا في وطنه، منفيًا في أرضه، مشطوبًا من دفاتر الدولة.

ما جرى لم يكن قرارًا إداريًا عابرًا، بل جريمة قانونية موصوفة، تحمل طابعًا اقتلاعيًا عنصريًا بامتياز، هدفت إلى محو الكورد من الحياة العامة، وتجريدهم من الوجود القانوني والرمزي، وهي جريمة لا تسقط بالتقادم، ولا تُنسى بالسكوت، بل تحتاج إلى اعتراف، وإنصاف، وتعويض حقيقي يرد الاعتبار إلى مَن سُلبت منهم الحياة والهوية في وضح النهار.

 

يتبع…

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

31/5/2025م

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…

المحامي عبدالرحمن نجار بضغط القوى الدولية ودعوة أقليم كوردستان العراق أنعقدكونفرانس في 26 نيسان 2025 بمدينة القامشلي أجتمع فيه مجلس الوحدة الوطنية بقيادةحزب الإتحاد الديمقراطي، وقيادة المجلس الكوردي، من أجل وحدة الصف الكوردي خاصة بعدرحيل نظام البعث.فتم الإتفاق على خطاب سياسي “الفيدرالية،اللامركزية”!. قلنافي حينها أنه مصطلح ناقص مخالف للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، أما المصطلح الصحيح هو:”الفيدرالية القومية وفق اللامركزية…

ماجد ع محمد   صحيحٌ بأن المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وإيران في إسلام آباد بباكستان تلكأت مرةً أخرى، ولكن هذا لا يعني بأنهم وصلوا إلى طريقٍ مسدود، ما دام أن الخصمين اللدودين إلى الآن مهتمان بالتهدئة، كما أنه معروف عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه مزاجي ورجل صفقات، حيث إن عيونه في كل الأوقات مفتوحة على الجانب الاقتصادي، وهذه…