من هم أعداء الكُرد اليوم؟ قراءة واقعية في مرآة الألم والتحدي

ماهين شيخاني

 

في لقاء إعلامي مؤثر، سأل الإعلامي اللبناني إيلي سكوزي، الجنرال مظلوم عبدي، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية:

“من هو عدو الكرد؟”

ابتسم الجنرال، تردد قليلاً، ثم قال: “سؤال صعب جداً.”

والواقع أن هذا التردد لم يكن عن ضعف أو حيرة، بل لأن السؤال لا يحتمل إجابة واحدة، بل يحتاج إلى خريطة كاملة لفهم أعداء الشعب الكردي، الذين لم يكونوا يومًا مجرد خصوم خارجيين، بل غالباً ما جاءوا من الداخل أيضاً.

اليوم، وبعد أكثر من قرن من المعاناة والتضحيات، يحق لنا أن نسأل بصراحة:

من هم أعداء الكرد اليوم؟

  1. الدول الإقليمية الأربع: شركاء الجغرافيا وعداء التاريخ

تركيا، إيران، العراق، وسوريا، هي الدول الأربع التي تقاسمت الجسد الكردي في اتفاقية سايكس بيكو وما تلاها من تسويات استعمارية.

هذه الدول، ورغم خلافاتها الكبيرة، تتفق على شيء واحد: منع أي كيان كردي مستقل أو حتى شبه مستقل.

تركيا تخشى من أي تجربة كردية ناجحة لأنها ترى فيها تهديداً لأمنها القومي وهويتها القومية الأحادية.

إيران ترى في الكرد خطراً مزدوجاً: قومي ومذهبي، خصوصاً في ظل نمو الوعي الوطني في شرق كوردستان.

العراق رغم الاعتراف الرسمي بإقليم كوردستان، إلا أن ملامح الحصار والتهميش تتكرر مع كل أزمة سياسية.

سوريا النظام فيها لم يعترف بالكرد حتى بالجنسية لعقود، واليوم يتعامل معهم كأمر واقع لا أكثر.

  1. الانقسام الداخلي: حين يصبح الأخ خصماً

ليس هناك ما يُضعف قضية عادلة أكثر من أهلها إذا افترقوا.

النخب الكردية، من الأحزاب إلى الشخصيات المؤثرة، فشلت مراراً في بناء مرجعية سياسية موحدة، حتى في أحلك الظروف.

النزاعات الفصائلية،

غلبة المصالح الحزبية،

الانصياع لمظلات إقليمية متضادة،

كلها سموم مزّقت الجسد الكردي من الداخل.

والعدو لا يحتاج لبذل جهد كبير إن كانت الضحية تفتك بنفسها.

 

  1. التواطؤ والصمت الدولي

رغم شجاعة الكرد في مواجهة داعش واحتضانهم لقيم الديمقراطية والمساواة، فالعالم لم يقابلهم بالاعتراف أو الدعم الجاد.

تجربة روجآفا لم تحظَ بأي اعتراف سياسي دولي.

الاستفتاء الكردي في العراق قوبل بعقوبات بدل الاحترام.

المجازر والتهجير تُرتكب أمام أعين القوى الكبرى دون ردّ حقيقي.

الكرد ورقة تُستخدم، لا قضية تُحترم… حتى الآن.

  1. الإرهاب والتطرف: الوجه القبيح الذي واجهوه وحيدين

لم تُقاتل أي قوة في المنطقة تنظيم داعش كما فعل الكرد.

في كوباني، الرقة، سنجار، الباغوز… كانوا في الصف الأول.

لكنهم لم يواجهوا داعش فقط، بل كل فكر ظلامي يرى في الكرد تهديداً للسلطة المطلقة والهوية المتكلسة.

من التطرف القومي إلى الديني، كان الكرد هدفاً دائماً لكل من لا يحتمل المختلف.

  1. الاستبداد والعقل الأحادي

ما زالت ذهنية “الدولة الأمة” ترفض الاعتراف بالتعدد والتنوع.

الكرد في نظر الأنظمة هم مجرد “مواطنين من درجة ثانية”، يُطلب منهم الولاء دون أن يُمنحوا الاعتراف.

لا لغة،

لا ثقافة،

لا حقوق سياسية حقيقية.

هذا الاستبداد البنيوي هو عدو الكرد كما هو عدو لكل الشعوب الحرة.

  1. الزمن الضائع: العدو الصامت

وسط كل هذا، هناك عدو لا يصرّح بعداوته لكنه يفتك من الداخل: الزمن الضائع.

حين تُهدر الفرص، ويتكرر الخطأ، ويُعاد تدوير الفشل تحت عناوين جديدة، فإن الزمن يتحول إلى عدو قاتل.

الخلاصة:

الكرد ليسوا ضحية واحدة، بل ضحايا لعدة أنظمة وعدة خيانات.

لكن أخطر الأعداء هم أولئك الذين يعيشون داخل القرار الكردي: التردد، الانقسام، والارتهان.

وإذا أراد الشعب الكردي أن ينجو ويحقق حلمه، فعليه أن يتعامل مع أعدائه بوضوح، يبدأ من الاعتراف، لا باللوم فقط.

  • ماهين شيخاني .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…