الانتهازي الذي بدا أذكى منا جميعاً!!

فواز عبدي

 

في المعارك السياسية، تُرمى كلمة “انتهازي” كحجر صغير في بركة راكدة، فتتسع دوائر الشبهة حول صاحبها، حتى تبتلع صورته كلها في عيون الناس. نسمعها تُقال بازدراء، وتُرافقها نبرة اتهامية توحي بالخيانة واللا مبدئية. لكن لو تأملنا قليلاً، لوجدنا أن المفارقة في هذا الاتهام لاذعة حد الطرافة: فالسياسة، في جوهرها، ليست سوى فن اقتناص الفرص.

السياسي الناجح ليس من يظل يرفع الشعارات في وجه الريح، بل من يقرأ اللحظة، ويعدّل مساره حين يتطلب الموقف، ويتقدم خطوة عندما تتاح له نافذة تأثير. هذه مهارة لا غنى عنها في العمل العام، ولا عيب فيها إن كانت تخدم فكرة أو مشروعاً أو مبدأ. فمثلاً، شهدنا في السياسة الدولية كيف أن ونستون تشرشل غيّر تحالفاته أكثر من مرة خلال الحرب العالمية الثانية، ليس بحثاً عن مصلحة شخصية بل لإنقاذ بلاده وتحقيق النصر. في المقابل، هناك من يغيّر مواقفه فقط حين تتغير مصالحه الضيقة، كما يحدث أحياناً في بعض البرلمانات العربية حين تتحول إلى سيرك سياسي، حيث يتقافز البعض من مقعد إلى مقعد، كمن يؤدي عرضاً بهلوانياً دون شبكة أمان، سوى المصلحة.

والاتهام بالانتهازية يُستخدم في العادة لا لتوصيف هذا السلوك، بل لتجريمه. يُوصف بها السياسي حين يُبدّل تحالفه، أو يُغيّر موقفه، أو يتصرف بمرونة لم تَرق لبعض المتفرجين. فجأة، يتحول الذكاء السياسي إلى خيانة، والمرونة إلى ارتداد، كما لو أن المواقف تُغزل بخيوط زئبق، تنزلق كلما حاول أحد أن يمسك بها بثبات. هنا تكمن المفارقة: نحن لا ننزعج من الانتهازية من حيث المبدأ، بل ننزعج منها فقط عندما لا تكون في صفّنا: نسمّيها “دهاءً” حين يمارسها حليفنا، و”خيانة” حين يستخدمها خصمنا. نتغنى بها كـ”حنكة سياسية” عندما تأتي بالنتائج التي نحب، ونستنكرها كـ”بيع للمواقف” إذا جاءت بما لا نشتهي.

لكن من المهم أن نكون منصفين: ليست كل مرونة انتهازية، ولا كل ثبات بطولة. ثمة فرق بين من يغيّر موقفه كمن يُدير دفة سفينة لتجنب العاصفة، وبين من يتلوّن كحرباء نائمة على لوحة ألوان. هناك سياسيون يغيرون مواقفهم لأنهم أدركوا تغير الواقع، أو لأنهم يريدون تجنيب بلادهم المخاطر، كما فعل الرئيس المصري أنور السادات حين غيّر بوصلة تحالفه من السوفييت إلى الأمريكيين، وهو قرار جلب لمصر نتائج إستراتيجية هامة رغم الجدل حوله. وفي المقابل، هناك من يغيّر مواقفه بلا مبدأ، فقط بحثاً عن سلطة أو منفعة.

هنا يظهر البعد الأخلاقي: متى تكون المرونة السياسية فضيلة؟ ومتى تتحول إلى انتهازية مذمومة؟ الجواب يكمن في الدوافع والنتائج. إذا كان التغيير يخدم الصالح العام أو يحقق تقدماً للمجتمع، فهو ذكاء سياسي مشروع. أما إذا كان لمصلحة فردية ضيقة أو على حساب القيم والثقة العامة، فهو انتهازية تضر بالسياسة والمجتمع معاً.

ولا يمكن إغفال أثر الانتهازية المتكررة على ثقة الناس بالسياسة. حين يرى المواطنون سياسيين يتقافزون من ضفة إلى أخرى، كما تقفز ظلال الغربان بين أعمدة الكهرباء، يتولد شعور بأن السياسة لم تعد فن الممكن… بل سوقاً للفهلوة والتنازلات الرمادية. وهنا تتراجع الثقة وتتعزز السلبية، ويصبح الإيمان بالعمل العام ضعيفاً، ما يهدد استقرار المجتمع وتماسكه.

أخيراً، ليس الجميع سواء في الحكم على الانتهازية. هناك من يبررها دائماً في صفوفه، وهناك من ينتقدها حتى لو جاءت من حليفه. الوعي بهذه الفروق يجعلنا أكثر عدلاً وموضوعية، ويحررنا من التبسيط والازدواجية.

الانتهازية السياسية ليست تهمة مطلقة، بل سلوك يجب أن يُقاس بدوافعه ونتائجه، وأن يُحاكم بمعايير أخلاقية ومجتمعية واضحة. فليس كل تغيير موقف خيانة، ولا كل ثبات بطولة. وبين من يغيّر موقفه لأنه وعى الواقع، ومن يغيّره لأنه باع قناعته، مسافة أخلاقية وفكرية لا يجوز أن تُختصر بكلمة واحدة… تلك المسافة تشبه درباً ضبابياً، لا يُرى إلا إذا مشيت فيه بقلب يقظ، لا ببوصلة من ورق.

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…