من دفتر يومياتي.. عندما رفضت دعوة المندوب الاسرائيلي

صلاح بدرالدين

خلال زيارة لي إلى برلين – الغربية – عام ١٩٦٨، لتفقد أحوال منظمة حزبنا (آنذاك) التي كانت تقوم بدور إعلامي بارز، وكانت تنشط في العديد من المجالات، بالإضافة إلى علاقاتها السياسية الواسعة، وخلال إقامتي هناك علمت بتواجد الأميرة السيدة روشن بدرخان في منزل نجلها الأمير الدكتور جمشيد بدرخان في برلين، فقمت بزيارتها، والترحيب بها، والتحدث معها لمرات عديدة. وقد تعرفت أيضًا على د. جمشيد، ذلك الرجل الودود المضياف، الذي كانت قسمات وجهه مطابقة لصورة والده الأمير جلادت بدرخان، الذي يحظى بالاحترام الكبير لدى شعبه في كل مكان، لما قدمه هو وأفراد عائلته من خدمات تجاه القضية الكردية، وما حققوه من إنجازات ثقافية وإعلامية خلدها التاريخ.

تزامن وجودي ببرلين مع تفاقم ما أطلق عليه بحرب – بيافرا –، التي نشبت نتيجة نزاع مسلح استمر من ١٩٦٧ حتى ١٩٧٠، في محاولة من ولايات الجنوب الشرقي النيجيري للاستقلال عن الدولة الاتحادية في نيجيريا، وإعلان جمهورية – بيافرا –، وكان نزاعًا ذا طابع قومي وديني، حيث الحكومة المركزية يحكمها المسلمون، ووقف الغرب عمومًا إلى جانب – بيافرا –، وظهرت نشاطات سياسية ودبلوماسية، وعقدت مؤتمرات بذلك الاتجاه.

وفي أحد الأيام جاءني د. جمشيد وأخبرني أن مؤتمرًا سيعقد في العاصمة – بون – لنصرة شعب بيافرا، وطلب مني القيمون على المؤتمر أن يشارك الكرد أيضًا، والآن ليس هناك غيرك موجودًا في ألمانيا، لذا اقترح أن نذهب سويًّا، وللوهلة الأولى وافقت على مقترحه، مع التوضيح له أنني لا أمثل الحركة الكردية، فقط أستطيع تمثيل حزبي.

وصلنا إلى مكان المؤتمر، وكانت المشاركة فيه واسعة. وبعد الجلسة الافتتاحية، ثم انتهاء اليوم الأول، الذي تكلم فيه المندوبون، وكانت لنا كلمة أيضًا شملت بمعظمها وضع الكرد ومعاناتهم في ظل الأنظمة الشوفينية، وبالأخص النظام البعثي السوري، مع إبداء التعاطف مع إرادة شعب بيافرا في الحرية. وقبل مغادرتنا المكان، أخبرني د. جمشيد أن مندوب إسرائيل، وهو في الوقت ذاته سفيرها في ألمانيا الاتحادية، دعانا إلى مأدبة العشاء الليلة. ووسط دهشتي أجبته بالرفض، شارحًا له أنني لست هنا ممثلًا مخولًا من الحركة الكردية، فقط أمثل حزبي، ومن منظورنا كحزب، ليس من مصلحة شعبنا الكردي والسوري تلبية دعوة سفير تحتل دولته جزءًا من أرض وطننا، وفي حالة حرب مع بلادنا، وأتمنى عليكم تفهم الوضع. وبما أنني علمت الآن بوجود مندوب إسرائيلي بالمؤتمر، أقترح أن نغادر ولا نستمر باليوم الثاني، فما رأيك؟ فكان جوابه: كما تريد، فلست سياسيًا، وأنت أدرى. وكم كبر د. جمشيد أمام نظري على هذا الموقف المتفهم النبيل.

وطيلة ساعات العودة، تبادلنا الحديث حول الموضوع ذاته، وأبديت له وجهة نظري كمناضل كردي سوري يعيش بالوطن، موضحًا أن إسرائيل، بحكم موقفها الرافض للحقوق الفلسطينية المشروعة، تعيش في بيئة معادية، وهاجسها الوحيد حماية نفسها، واستراتيجيتها منذ عهد باني الدولة اليهودية – بن غوريون – هي الحفاظ على أمنها عبر العمل دون استقرار الدول العربية التي تعتبرها معادية، خصوصًا القريبة منها، وبناء الجسور – التكتيكية – مع المكونات القومية والدينية غير العربية وغير المسلمة، واستثمار ما تعاني من اضطهاد على أيدي أنظمة شوفينية ودكتاتورية عجزت عن إيجاد الحل الديمقراطي، وبناء دولة المواطنة لشعوبها. وأن محاولات الحكومات الإسرائيلية لم ترمِ إلى إيجاد حلول، بقدر ما كانت تسعى إلى تعميق الخلافات بين شعوب المنطقة حتى تبقى هي الأقوى.

ولأن إسرائيل تمثل مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، والغرب عمومًا في المنطقة، فلديها مكانة خاصة، وتحظى بالدعم العسكري والاقتصادي بشكل مفتوح، إلى درجة أن الكثيرين في الشرق الأوسط يعتقدون أن (الطريق إلى واشنطن، وعواصم الغرب الأخرى، يمر من تل أبيب).

وكما تعلم (وما زال الحديث مع د. جمشيد)، هناك بعض الكرد أيضًا الذين يبحثون عن خلاص الشعب بالاعتماد على رضى إسرائيل، عسى ولعل أن تقوم بدور الشفيع لدى دوائر الغرب، ولكن من المؤسف فإن إسرائيل، باستراتيجيتها المرسومة منذ عهد بناتها الأوائل، ليست بوارد المساهمة بإيجاد حلول سلمية للقضية الكردية، بل إن دوائرها، وأوساطها المقررة، في وادٍ آخر، وتخطط لتعميق الخلافات بين شعوب المنطقة، وخصوصًا بين الكرد والعرب.

بين الأمس واليوم

بعد مضي نحو ستين عامًا من تواجدي ببرلين الغربية، ومحادثتي مع د. جمشيد بدرخان، ومؤتمر نصرة – بيافرا –، تغيرت الأمور بشكل دراماتيكي. فقبل كل شيء افتقدنا بكل أسف تلك القامة الوطنية النبيلة، وأعني الأمير جمشيد، الذي وافته المنية وهو في مقتبل العمر. وتحولت برلين الغربية إلى برلين عاصمة ألمانيا الاتحادية، وتبدلت أحوال إسرائيل بشكل عميق، فلم تعد مدللة الغرب كما كانت، ولا ممرًا للوصول إلى واشنطن.

وفيما يتعلق الأمر بالكرد وإسرائيل، فبعد الاطلاع على كتاب (الموساد في العراق ودول الجوار) للكاتب: شلومو نكديمون، يظهر بوضوح مدى تعلق الطبقة الحاكمة بمصالحها، والاستعداد للتضحية بمصالح الشعوب الأخرى، وبينها الشعب الكردي.

ومن أجل أن أكون موضوعيًا، أقول: نعم، إسرائيل لها الفضل في سقوط الأسد، وتوجيه ضربات لجماعات الإسلام السياسي الراديكالية، وإضعاف أذرع إيران، ولكنها قامت بذلك من أجل نفسها أولًا وأخيرًا، فليس هناك في المنطقة دولة تعرف مصالحها وتعمل من أجل صيانتها أكثر من إسرائيل.

هناك أيضًا في المجتمع الإسرائيلي، حسب شهادة الأصدقاء الفلسطينيين، قوى ومنظمات مجتمع مدني تعمل من أجل السلام، وتؤيد الحقوق الفلسطينية، بالرغم من أن كارثة غزة طغت على كل شيء، بما في ذلك عزلها، وإضعاف دورها.

وفي سياق متصل، وخلال المؤتمر الصحفي لإعلان بيان المؤتمر التأسيسي لجمعية الصداقة الفلسطينية الكردية عام ١٩٩٩، في (البيرة – رام الله)، وُجهت إليّ مراسلة صحيفة – يدعوت أحرونوت – الإسرائيلية السؤال التالي: لماذا تشكلون جمعيات الصداقة مع الفلسطينيين وليس مع الإسرائيليين؟ فأجبتها: الفلسطينيون شكلوا الجمعية، ودعونا لحضور هذا المؤتمر، فاستجبنا. تفضلوا شكلوا جمعية صداقة، وادعوا الكرد، فسترون من يحضر، حتى ولو لم أكن أنا شخصيًا.

هل خيبت إسرائيل أمل البعض؟

بعد سقوط نظام الاستبداد، حاول البعض من المتضررين، الساعين إلى التغطية على عوراتهم، أو الطامحين بأدوار أكبر من أحجامهم، وبينهم البعض باسم الكرد، استثمار الوضع، والاستقواء، واستغلال إسرائيل لخدمة أجنداتهم، عبر اللقاءات والتواصل مع مسؤولين بارزين في الحكومة الإسرائيلية. هؤلاء سمعوا وعودًا سخية، ولكن ما لبثت إسرائيل أن أعلنت رسميًا أنها لا تتدخل في شؤون سوريا، ولا تتعامل مع أي طرف خارج الحكومة السورية السيادية. هذا من دون أن نسمع تفسيرًا حتى الآن من هؤلاء المتورطين باسم الكرد، وما يعلمه شعبنا أن التيار الكردي الذي يغامر عسكريًا طيلة أربعين عامًا، ليس غريبًا عليه الإقدام على مغامرات سياسية من أي نوع كانت.

 

4

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…