الفيدرالية والفرصة الأخيرة لإنقاذ سوريا الموحدة

حوران حم

مع تعثّر المسارات السياسية وتجمّد الحلول الأممية للأزمة السورية، ووسط استمرار السيطرة المتعددة على الجغرافيا السورية بين قوى محلية تتفاوت في توجهاتها وهياكلها، يعود إلى الواجهة نقاش جدي حول مستقبل الدولة السورية: هل نحن أمام مرحلة تقاسم نفوذ تمهّد لتقسيم فعلي، أم أن ثمة إمكانية لإعادة إنتاج الدولة السورية بصيغة جديدة أكثر انسجامًا مع الواقع التعددي والديناميكيات المحلية؟ في هذا السياق، يطرح خيار الفيدرالية نفسه بديلاً منطقيًا واستراتيجيًا، لا بهدف تفكيك سوريا، بل لإنقاذها من التآكل.

خلافًا لما يُروّج في بعض الأوساط، فإن الفيدرالية لا تعني الانفصال أو التقسيم، بل تقوم على إعادة توزيع الصلاحيات بين المركز والأقاليم، ضمن إطار دستوري واضح. النموذج الفيدرالي قد يوفّر مساحة لتمثيل الهويات المتعددة في سوريا، ويُعيد الثقة بين المكونات التي انهارت بفعل الحرب، من دون المساس بوحدة البلاد الجغرافية أو السياسية.

أسباب واقعية لاعتماد الفيدرالية

أولاً، سوريا لم تعد – فعليًا – دولة مركزية موحدة منذ سنوات. القوى المسيطرة على الأرض تختلف في رؤاها وتحالفاتها ومؤسساتها، سواء في شمال شرق البلاد حيث الإدارة الذاتية بقيادة القوى الكردية، أو في الشمال الغربي الخاضع لفصائل مدعومة من تركيا، أو في الجنوب حيث بدأت تظهر ملامح حوكمة محلية أكثر استقلالًا.

ثانيًا، الحرب عمّقت الانقسامات المجتمعية، وأعادت إنتاج الهويات المحلية والطائفية والإثنية. وقد بات من الصعب تصور عودة الحياة السياسية إلى ما قبل 2011 من دون إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس جديدة، تكون فيها المشاركة والتمثيل والعدالة من ركائز الحكم.

ثالثًا، ومع تولي سلطة جديدة بقيادة أحمد الشرع زمام الأمور في دمشق، بدأ يتبلور نهج أكثر استقلالية في السياسة السورية، يفتح الباب أمام مقاربات سياسية مرنة وواقعية. تراجع النفوذ الخارجي، لا سيما الإيراني والروسي، أتاح للسوريين فرصة أكبر للتفكير في ترتيبات داخلية تعكس التوازنات الحقيقية للمجتمع السوري، ومنها الفيدرالية كأداة للحكم التشاركي.

التحديات أمام الفيدرالية السورية

رغم ذلك، فإن الانتقال نحو نظام فيدرالي في سوريا لا يخلو من تحديات. أولها يتمثل في مقاومة بعض الأطراف السياسية لفكرة تقاسم السلطة أو الانتقال من الحكم المركزي الصارم إلى نموذج يوزّع الصلاحيات على الأقاليم. وثانيها هو الريبة المتبادلة بين المكونات السورية، لا سيما بين العرب والأكراد، حيث تتطلب الفيدرالية توافقًا سياسيًا ومجتمعيًا يصعب تحقيقه في ظل انعدام الثقة.

التحدي الثالث يتمثل في المواقف الإقليمية، خصوصًا من جانب تركيا، التي لا تزال ترفض أي صيغة تعزز الحكم الذاتي الكردي في شمال سوريا، وتعتبره تهديدًا لأمنها القومي. إضافة إلى ذلك، فإن بعض الدول العربية تتوجّس من الفيدرالية وتعتبرها مدخلًا إلى ضعف الدولة أو نموذجًا قابلًا للتصدير إلى ساحاتها الداخلية.

فرصة ممكنة ولكن بشروط

إن إنقاذ سوريا من سيناريو التقسيم الفعلي لا يمر عبر شعارات وحدة الدولة فقط، بل يتطلب إعادة تعريف مفهوم الدولة السورية نفسها. الفيدرالية ليست خيارًا مثاليًا، لكنها ربما السبيل الوحيد لتفكيك الصراع بدل تفكيك البلاد.

نجاح هذا الخيار مرهون بوجود إرادة وطنية شجاعة تنبع من الداخل، وبقدرة السوريين أنفسهم على تجاوز ذاكرة الحرب والانقسام، والانخراط في حوار شامل، تكون فيه اللامركزية السياسية والإدارية أداة للحكم الرشيد، لا مقدمة للتفكك.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زار وفد من المنظمة الآثورية الديمقراطية ضم السيد كبرئيل موشي مسؤول المنظمة والسيد بشير سعدي نائب المسؤول، والسيد ريمون يوخنا عضو الأمانة العامة، مكتب المجلس الوطني الكردي في دمشق، في إطار تعزيز العلاقات الثنائية والتنسيق المشترك. وكان في استقبال الوفد الأستاذ نعمت داوود، عضو هيئة رئاسة المجلس، والأستاذ لقمان أوسو، رئيس محلية دمشق، حيث بحث الجانبان لقاء رئاسة المجلس مع…

شارك وفدٌ من ممثلية أوروباللمجلس الوطني الكردي في سوريا في إحياء الذكرى الرابعة عشرة لاستشهاد المناضل نصرالدين برهك عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا وضمّ الوفد كلاً من السيد عبد الكريم حاجي رئيس ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا، إلى جانب وفدٍ من مكتب العلاقات شمل كلاً من كاميران خلف برو مسؤول مكتب العلاقات، وجنكيدار محمد، وباران درباس….

عبدو خليل Abdo Khalil أواخر صيف عام 2012 كنت قد لجأت للقرية هربا من مخاطر الاعتقال.. كانت المنطقة سلمت بالكامل من قبل النظام السوري للعمال الكردستاني ولم يتبقى سوى بعض عناصر الأمن المكلفين بالمراقبة عن بعد.. جاء يوم َرفع فيه فتية وفتيات قريتنا نازواوشاغي علم الثورة فوق مسجد القرية.. سرعان ما أصاب الذعر زعران قنديل.. نزلوا العلم وتوعدوا أهل القرية…..

صلاح بدرالدين إشكالية الداخل والخارج : بين حين وآخر نسمع أصواتا – فيسبوكية – تدعو الى اسكات كرد الخارج ، ومنح احقية الكلام حول الشعب ، والوطن ، والقضية لمن هم بالداخل فقط ، وكما أرى : ١ – بسبب تعرض الكرد السوريين للاضطهاد القومي منذ الاستقلال وحتى يوم سقوط نظام الاستبداد في الثامن من ديسمبر \ ٢٠٢٤ ، وملاحقة…