حين يتأخر التفاهم الكوردي، يتقدّم الفناء

خالد حسو
لو وُجد تفاهم كوردي–كوردي حقيقي، لا شكلي ولا مصلحي، لا تواطؤ فيه ولا مواربة، تفاهم ينبع من الإحساس العميق بالمسؤولية التاريخية تجاه مستقبل سوريا عموماً، ومصير شعبنا الكوردي خصوصاً، لكان من أولى ثماره تشكيل وفد تفاوضي رفيع المستوى، مستقل القرار، عابر للحزبيات الضيقة، متحرر من الإملاءات الخارجية، ومتسلّح برؤية استراتيجية تُقدِّم الكُليّ على الجزئي، والمصير على المكاسب اللحظية.
وفد لا يُختار على أساس الولاءات، بل على أساس الكفاءة والخبرة والصدق في حمل القضية، يُنتخب من أوساط أكاديمية ومهنية رصينة: خبراء في القانون الدستوري، وفي التاريخ السياسي للمنطقة، وفي الجغرافيا المعقّدة للواقع السوري – الكوردي، إلى جانب سياسيين مستقلين، نظيفي اليد واللسان، ممن لم يتاجروا بآلام شعبهم، ولم يُساوموا على خرائطه أو دمائه أو لغته أو رايته.
هكذا وفد لا يكون مجرد أداة تفاوض آنية، بل يتبلور كمرجعية قومية كوردية ثابتة، لا تتبدّل بتغير الرياح، ولا تُستخدم كورقة ضغط في نزاع الفصائل. مرجعية تُمثّل الكورد بكل تنوّعاتهم الجغرافية والسياسية والثقافية، في الجزيرة وكوباني وعفرين وشنكال وقنديل ومهاباد، دون استثناء أو إقصاء. مرجعية تعيد ضبط البوصلة، وتعيد للقضية الكوردية هيبتها المسلوبة وشرعيتها المنهوبة، بعد أن كادت تتحول إلى مجرّد ورقة تُساوَم في مكاتب الاستخبارات، أو سلعة تُباع في أسواق الدول الإقليمية.”
إن اللحظة الراهنة، بكل ما تحمله من اضطراب وهشاشة وانفتاح على التحولات، تُمثّل فرصة تاريخية نادرة، لا يجوز تبديدها بمزيد من التشتت والانقسام. فشعبنا، الذي دفع أفدح الأثمان في معارك البقاء والهوية، يستحق قيادة تليق بحلمه، لا زمرة من المتنازعين على سلطة من ورق، أو على عَلمٍ بلا خريطة.
وإذا لم يُبادر العقل الكوردي إلى تأسيس هذا التفاهم، وهذه المرجعية، فإن التاريخ لن يرحم، والجغرافيا لن تنتظر. بل قد نصحو قريبًا على خريطة بلا اسم لنا، وعلى وطنٍ لم نعُد جزءًا من معادلته.
فإما أن نرتقي إلى مستوى شعبنا، أو ننهار على أطلال انقساماتنا، كمن خسر الأرض واللغة والحلم، وبقي يلوك وهم القيادة في خرائب الخذلان.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالباقي اليوسف تقتضي لحظات التحول التاريخية في الشرق الأوسط نظرة واقعية تفكك المشهد بعيداً عن الشعارات المستهلكة؛ وما يشهده الإقليم اليوم من تسارع محتدم للأحداث—من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى إعادة رسم خرائط النفوذ—ليس مجرد تفاصيل منفصلة، بل تجلٍّ لإعادة ترتيب واسعة لموازين القوى. وفي قلب هذه العاصفة، يأتي الموقف التركي الراهن تجاه القضية الكوردية ليرسم علامات استفهام كبرى؛ موقفٌ…

عبد الجابر حبيب لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…

شادي حاجي في مرحلة تتغير فيها خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط، وتتداخل المصالح الدولية والإقليمية بصورة متسارعة، تقف القضية الكردية أمام سؤال مختلف: هل ينبغي للكرد البحث عن حلول عاجلة، أم أن المرحلة تقتضي بناء استراتيجية طويلة الأمد تجعلهم أكثر استعداداً للمتغيرات المقبلة؟ ربما يكون الخيار الثاني هو الأكثر واقعية. فـالصبر الاستراتيجي لا يعني الاستسلام للواقع أو التخلي عن…