عفرين تحترق بصمت: عندما يصبح الموت اليومي عادياً ولا يُسأل عنه أحد

شيرزاد هواري -عفرين 

بينما اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بالتعاطف مع الفنان العفريني جوان حسن بعد تعرض منزله لحريق في مدينة عامودا، تبقى مأساة آلاف العفرينيين المنتشرين في المخيمات واللجوء والشتات، طي النسيان، لا تُرى ولا يُسمع صوتها. مع كامل الأمنيات بالشفاء العاجل للفنان، إلا أن المشهد يطرح تساؤلاً مؤلماً: لماذا لا نحزن بنفس الحرقة على من يحترقون كل يوم ببطء، بصمت، وبلا كاميرات أو تعليقات حنونة؟

مأساة معلّقة خارج الاهتمام العام

منذ سنوات، وأهالي عفرين يعيشون شتاتاً مريراً بعد أن مزقت الحرب بيوتهم، وشردتهم إلى زوايا لا تصلها عين الإعلام أو يد الإغاثة. يعيشون اليوم أوضاعاً معيشية قاسية تشبه الموت البطيء: فقر مدقع، انعدام في فرص التعليم والعمل، وانقطاع تام عن الحياة الكريمة. ورغم ضخامة الكارثة، لا يُسأل عنهم أحد، لا من منظمات إنسانية، ولا من حكومات، ولا حتى من الإدارات التي تدير شؤونهم بحكم الأمر الواقع.

اختطاف الطالبات… الوجه الآخر للكارثة

وما يزيد الألم تعقيدًا هو ما نشهده من انتهاكات فاضحة لحقوق الإنسان، كاختطاف العشرات من الطالبات من أمام مدارسهن وإجبارهن على التجنيد الإجباري في المناطق التي يُفترض أن تكون آمنة. هذه الجرائم تُرتكب على مرأى العالم، رغم كثافة النداءات التي أُطلقت عبر الإعلام ومواقع التواصل، دون أن تحرك الجهات المعنية ساكنًا. هؤلاء الفتيات لم يطلبن سوى حقهن في التعليم والحياة، لا في التسلح والخطف.

عزة فوق الكرتونة… وكرامة لا تُشترى

رغم الفقر والمأساة، يرفض كثير من أبناء عفرين الظهور أمام كاميرات المساعدات أو الوقوف في طوابير “الكرتونة وربطة الخبز”، فهم يرون أن عزة النفس لا تُقايض بالإغاثة. إنهم لا يطلبون صدقات، بل حقوقًا، ولا يريدون فتات المساعدات، بل حياة كريمة وعودة آمنة وكرامة إنسانية.

العفريني… قهرٌ يوميٌ في وطنٍ لا يعود إليه

يموت العفريني قهراً كل يوم، لا فقط بسبب الجوع أو الغربة، بل حين يرى خصوماتكم السياسية العبثية، وحروب الكلمات والمصالح التي فرّقت ما تبقى من وحدة شعبه. يموت حين يُمنع من دخول بيته الذي ينتظره على بُعد أمتار منه، حين يُجبر على الوقوف خلف الأسلاك لا لشيء إلا لأنه لا يحمل تصريحاً أو ولاءً. يموت حين ينتظر موته فقط ليُدفن في أرضه التي حُرم منها حيًّا.

يموت حين يزور كرومه في لحظة خاطفة، ويرى أشجاره المقطوعة تهمس له “أنا هنا يا صاحبي”… فيختنق. يموت حين لا يجد من يحرث له أرضه، أو من يسانده ليحمي ما تبقى من كرامته. ويموت أكثر، حين يُجبر على الكذب عبر الإعلام، ليقول إنه بخير، وإن الأمور “على ما يرام”، في مشهد لا يصدقه سوى من أراد تجاهل الحقيقة.

الوفاء لعفرين… جريمة في نظر البعض

العفريني المتشبث بأرضه وشعبه ووطنه يموت عندما يُتهم بالعمالة والخيانة لمجرد أنه اختار أن يبقى بين أهله، يبث فيهم روح التفاؤل، ويؤمن بوجود إعلام صادق يستطيع نقل معاناتهم اليومية. في بيئة اختُطفت فيها الحقيقة، أصبح الصدق تهمة، والانتماء جريمة، والحب للوطن موقفًا مشكوكًا فيه.

لا أحد مرتاح هناك: لا المسؤول، ولا المربي، ولا الفلاح، ولا حتى الشجر أو الحجر. فالكل يتألم في ظل غياب الأمان الحقيقي، رغم كل ما يُقال عن توفره. إن القلم هناك لا يبحث عن سلاح، بل عن دفتر، ليكتب وجع الناس بصدق، لا أن يُستخدم كأداة تهديد أو فوضى تبث الرعب والرهبة.

كفى استهتارًا بمصير شعب

من المؤسف أن تُعقد المؤتمرات والمنتديات حول سوريا يوميًا، ولا يُمنح لأبناء عفرين مقعد واحد ليمثلهم بكرامة. كأن مأساتهم لا تصلح إلا كديكور في نشرات الأخبار أو كمادة في بيانات المجاملة.

فهل من أمل؟

بعد كل هذا السرد الصادق للوجع والخذلان، هل سنرى مبادرات إنقاذية حقيقية؟ هل سنشهد من يتعاون مع العفريني الذي لا يطلب المستحيل، بل فقط أجور عودته، أو تأمين طريق آمن، أو فرصة عمل شريفة تسد رمق يومه وتحفظ كرامته؟ أم سيبقى سماسرة الأزمات يتحكمون بمصير شعب لم ينكسر، بل صبر وانتظر من يعيد له صوته وحقه؟

وفوق ذلك، هل سأل أحد الفنان العفريني جوان حسن — بكل هذا التعاطف الإعلامي — لماذا هو يُقيم في عامودا وليس في عفرين؟ وهل سأل أحد عن العشرات مثله، المنتشرين في اللجوء والشتات، الذين لا يبحثون عن شهرة، بل عن وطن يحتضنهم وبيت يعودون إليه بكرامة؟

الكرة الآن في ملعب الجميع: حكومات، منظمات، إعلام، وأصحاب الضمائر.
فهل من مجيب؟

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالباقي اليوسف تقتضي لحظات التحول التاريخية في الشرق الأوسط نظرة واقعية تفكك المشهد بعيداً عن الشعارات المستهلكة؛ وما يشهده الإقليم اليوم من تسارع محتدم للأحداث—من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى إعادة رسم خرائط النفوذ—ليس مجرد تفاصيل منفصلة، بل تجلٍّ لإعادة ترتيب واسعة لموازين القوى. وفي قلب هذه العاصفة، يأتي الموقف التركي الراهن تجاه القضية الكوردية ليرسم علامات استفهام كبرى؛ موقفٌ…

عبد الجابر حبيب لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…

شادي حاجي في مرحلة تتغير فيها خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط، وتتداخل المصالح الدولية والإقليمية بصورة متسارعة، تقف القضية الكردية أمام سؤال مختلف: هل ينبغي للكرد البحث عن حلول عاجلة، أم أن المرحلة تقتضي بناء استراتيجية طويلة الأمد تجعلهم أكثر استعداداً للمتغيرات المقبلة؟ ربما يكون الخيار الثاني هو الأكثر واقعية. فـالصبر الاستراتيجي لا يعني الاستسلام للواقع أو التخلي عن…