حسن قاسم
سيبقى يوم 25 آب/أغسطس 2026 يوماً مميزاً في ذاكرة الشعب الكوردي في سوريا، باعتباره اليوم الذي أُعلن فيه انتهاء مهام قوات سوريا الديمقراطية كقوة عسكرية مستقلة، وانتقال قائدها مظلوم عبدي من موقع القيادة العسكرية إلى العمل السياسي بصفته مستشاراً للرئيس السوري أحمد الشرع.
ومن حيث المبدأ، لا يمكن النظر إلى إنهاء الحالة العسكرية والانتقال إلى مرحلة سياسية ومدنية إلا بإيجابية. فالشعب الكوردي، شأنه شأن بقية السوريين، يستحق أن يعيش بأمن واستقرار، وأن تُحقن دماء الأبرياء، وأن تتوجه الجهود نحو التنمية وإعادة الإعمار وبناء مؤسسات الدولة.
لكن الإيجابية الحقيقية لهذا التحول ستبقى مرتبطة بسؤال جوهري: ماذا بعد انتهاء الدور العسكري لقسد؟
إذا كان هذا التحول مقدمةً لصيغة سياسية ودستورية واضحة تضمن للشعب الكوردي حقوقه القومية والثقافية واللغوية، وتعترف به كشعب أصيل في سوريا، وتتيح له إدارة شؤونه المحلية ضمن إطار قانوني ودستوري، وتؤسس لشراكة عادلة ومتوازنة مع الدولة السورية، فإن إنهاء الدور العسكري لقسد يمكن أن يشكل فرصة تاريخية لفتح صفحة جديدة، وتعزيز السلم الأهلي، وإنهاء حالة الصراع المسلح.
أما إذا اقتصر الأمر على تفكيك البنية العسكرية والإدارية التي نشأت خلال السنوات الماضية، من دون بناء بديل سياسي وقانوني قادر على حماية الحقوق الكوردية، فإن المخاوف التي يعيشها المثقف والسياسي الكوردي ستكون مشروعة.
لقد امتلكت قسد والإدارة الذاتية خلال سنوات طويلة قوة عسكرية وسياسية وإمكانات دولية كبيرة، وكان بإمكانهما استثمار تلك الظروف في بناء مشروع سياسي أكثر وضوحاً للقضية الكوردية في سوريا. إلا أن التجربة، في نظر كثير من منتقديها، ذهبت في اتجاهات أيديولوجية ومشاريع سياسية لم تنسجم دائماً مع طبيعة القضية الكوردية وخصوصيتها السورية، الأمر الذي أدى إلى إضعاف حضورها السياسي، رغم حجم التضحيات التي قدمها أبناء المنطقة.
وهنا لا بد من التأكيد على حقيقة أساسية: إن نقد تجربة قسد والإدارة الذاتية لا يعني التخلي عن القضية الكوردية، كما أن انتهاء قسد كقوة عسكرية مستقلة لا يعني انتهاء القضية الكوردية.
فالقضايا القومية لا تُحل بتفكيك المؤسسات العسكرية، وإنما من خلال الاعتراف السياسي والقانوني بالحقوق، ووضع ضمانات دستورية واضحة تكفل حمايتها.
ومن هنا تأتي أهمية تنفيذ الاتفاقات الموقعة بين دمشق والقوى الكوردية، وعدم تركها رهينة للمماطلة أو التفسيرات المتناقضة. كما أن محاولة نقل أو استنساخ مخرجات أي مسار سياسي يجري في تركيا وإسقاطها على الواقع السوري بصورة آلية، أمر لا يمكن قبوله؛ فلكل دولة ظروفها السياسية والتاريخية والاجتماعية، والقضية الكوردية في سوريا لها خصوصيتها ومسارها ومطالبها المشروعة.
إن المرحلة الجديدة تفرض على الكورد أيضاً مسؤولية تاريخية تتمثل في إعادة ترتيب البيت السياسي، والانتقال من عقلية الفصائل والقوى العسكرية إلى عقلية المشروع السياسي والمؤسسات الدستورية. وهذا يتطلب توحيد الخطاب الكوردي، وإنهاء حالة الانقسام، وبناء مرجعية سياسية قادرة على التفاوض باسم الشعب الكوردي والدفاع عن حقوقه، بعيداً عن التبعية لأي طرف إقليمي أو دولي.
نحن نريد السلام، ونريد التنمية، ونريد دولة سورية مستقرة وقوية، ولكن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على تجاهل قضايا الشعوب، والتنمية لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحقوق.
إن نجاح 25 آب لن يُقاس فقط بنهاية قسد كقوة عسكرية مستقلة، وإنما بما إذا كان هذا اليوم سيؤسس لبداية مرحلة سياسية جديدة تُصان فيها حقوق الشعب الكوردي دستورياً وقانونياً، ويصبح الحوار والشراكة والمواطنة المتساوية أدوات لبناء سوريا الجديدة.
فإذا كان 25 آب هو نهاية مرحلة السلاح، فليكن أيضاً بداية مرحلة الحقوق والاعتراف والشراكة والسلام.