مقالات

الصراع الإقليمي وحزب العمال الكوردستاني PKK معادلة الاستثمار السياسي المتبادل بين الحقيقة والواقع الجزء الرابع والأخير

محمدالشرف الحسيني
1- الانعطافة المرعبة
اللاقومية… حين انقلبت الطاولة على القومية الكوردية
بعد أن تناولنا في الأجزاء السابقة انتقال حزب العمال الكوردستاني من حركة ثورية مسلحة تخوض حرباً مفتوحة مع الدولة التركية، إلى لاعب سياسي وإقليمي أعيد تعريف دوره ووظيفته وموقعه في معادلات المنطقة، يبقى السؤال الأهم في خاتمة هذا البحث:
ماذا فعل هذا التحول بمفهوم القضية الكوردية نفسها؟
فالقضية لم تعد اليوم مرتبطة بالسلاح وحده، ولا بالمفاوضات وحدها، ولا بالعلاقة مع تركيا أو الولايات المتحدة أو الدول الإقليمية، وإنما انتقلت إلى مستوى أعمق وأكثر خطورة: مفهوم الكوردي لذاته، ومفهومه لقوميته، وموقع القومية الكوردية في مشروعه السياسي.
وهنا تظهر واحدة من أكبر المفارقات في مسار حزب العمال الكوردستاني.
فالقومية الكوردية، قبل ظهور خطاب اللاقومية وتوسعه، كانت قد قطعت شوطاً طويلاً في الانتقال من مرحلة إثبات وجود الكورد كشعب إلى مرحلة تثبيت هويتهم القومية والسياسية والتاريخية أمام العالم.
كان السؤال في مراحل سابقة:
هل الكورد شعب؟ وهل لهم هوية وتاريخ وحقوق؟
ثم تطور السؤال إلى:
كيف يستطيع هذا الشعب أن يحافظ على هويته، وأن يحصل على حقوقه، وأن يبني مستقبله السياسي؟
لكن خطاب اللاقومية قلب هذه المعادلة.
فبدلاً من أن تكون القومية قاعدة الانطلاق نحو الحقوق، أصبح يُنظر إليها ـ في بعض الخطابات ـ باعتبارها المشكلة التي ينبغي تجاوزها.
وبدلاً من أن يكون المطلوب من الآخرين الاعتراف بالكوردي كما هو، أصبح المطلوب من الكوردي نفسه أن يعيد تعريف ذاته، وأن يتراجع عن جزء أساسي من وعيه القومي حتى يصبح أكثر قبولاً لدى الآخرين.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
من إثبات الوجود إلى التشكيك في الهوية
لقد احتاج الكورد لعقود طويلة، بل لقرون من الصراع السياسي والاجتماعي، كي ينتقلوا من موقع الجماعة التي يُتحدث عنها الآخرون إلى موقع الشعب الذي يتحدث عن نفسه.
وبناء الوعي القومي لم يكن ترفاً فكرياً.
فاللغة، والذاكرة، والتاريخ، والجغرافيا، والثقافة، والرموز، والموروث الشعبي، كلها كانت أدوات للحفاظ على وجود شعب وجد نفسه موزعاً بين دول وأنظمة وقوميات مختلفة.
ولهذا فإن القومية الكوردية لم تكن في جوهرها مشروعاً لإلغاء الآخرين، وإنما كانت في الأساس وسيلة لحماية الذات من الإلغاء.
لكن عندما يأتي خطاب سياسي ليقول للكوردي إن المشكلة تكمن في تمسكه بقوميته، فإن السؤال يصبح مشروعاً:
لماذا يُطلب من الكوردي أن يتخلى عن الأداة التي حافظ بها على وجوده، قبل أن يحصل على الضمانات التي تحمي هذا الوجود؟
لقد زعزع خطاب اللاقومية وجدان الإنسان الكوردي نفسه، وأدخله في متاهة فكرية جعلت بعض الأصوات الكوردية لا تكتفي برفض القومية، بل تذهب إلى ذم القومية الكوردية نفسها.
وهنا يحدث انقلاب خطير في المفاهيم.
فبدلاً من أن يسأل الكوردي:
كيف أحمي هويتي؟
أصبح يسأل:
هل تمسكي بهويتي خطأ؟
وبدلاً من أن يكون السؤال:
كيف أحقق المساواة مع الآخر؟
أصبح السؤال:
كيف أثبت للآخر أنني تجاوزت قوميّتي؟
وهذا هو جوهر المأزق.
اللاقومية… ولكن لمن؟
إذا كانت اللاقومية مشروعاً إنسانياً حقيقياً، فإنها يجب أن تكون شاملة ومتبادلة.
أي أن تتجه إلى تجاوز القوميات من الجميع وعلى قدم المساواة، لا أن تتحول إلى مطالبة طرف واحد بالتخلي عن هويته، بينما تبقى القوميات الأخرى محتفظة بدولها ولغاتها وتاريخها ومؤسساتها ورواياتها الوطنية.
فإذا كان المطلوب من الكوردي أن يتجاوز قوميته، فلماذا لا يكون ذلك مطلوباً من القوميات الأخرى أيضاً؟
وإذا كانت الدولة القومية قد أصبحت مفهوماً تجاوزه الزمن، فلماذا لا نرى هذا التجاوز شاملاً للجميع؟
وإذا كان الانتماء القومي عائقاً أمام الإنسانية، فلماذا يبقى الانتماء القومي هو الإطار الذي تُعرِّف به الدول الأخرى نفسها؟
إن اللاقومية التي تبدأ من الكوردي وحده ليست لاقومية.
إنها نزع للقومية من طرف واحد.
والاندماج بين متساوين شيء، والذوبان في هوية مهيمنة شيء آخر.
والمواطنة المتساوية شيء، والتنازل عن القومية واللغة والذاكرة شيء آخر.
2- المواطنة ليست بديلاً عن الهوية
يمكن للكوردي أن يكون مواطناً كاملاً في الدولة التي يعيش فيها، وأن يكون ديمقراطياً، ومدافعاً عن حقوق الإنسان، ومؤمناً بالتعايش والسلام، من دون أن يُطلب منه أن يتخلى عن كوردانيته.
بل إن المواطنة الحقيقية لا تحتاج إلى إلغاء الهوية.
المواطنة تحمي الإنسان بوصفه فرداً، والقومية تحميه بوصفه جزءاً من شعب له تاريخ وثقافة وذاكرة.
ولهذا فإن المواطنة لا ينبغي أن تكون بديلاً عن الهوية، بل ضمانة لحمايتها.
أما عندما تصبح المواطنة مشروطة بالتخلي عن الهوية، فإنها تتحول من مفهوم للمساواة إلى أداة للذوبان.
وهنا علينا أن نفرق بين الاندماج والذوبان.
فالاندماج يعني أن يعيش الجميع في إطار سياسي مشترك مع الحفاظ على خصوصياتهم وحقوقهم.
أما الذوبان فيعني أن يتخلى طرف عن لغته وهويته وذاكرته كي يصبح نسخة من الطرف الأقوى.
وهذا فرق جوهري لا يجوز تجاهله.ولكن في المعادلة الكوردية الحالية فان الاندماج يتطابق الى حد بعيد مع مفهوم الذوبان.
3- التاريخ لا يمنح أحداً ملكية أبدية
وهنا تبرز أيضاً مسألة التاريخ.
إن الفتح أو الغزو أو الهجرة في مرحلة تاريخية لا يمنح، بمجرد مرور الزمن، حقاً أبدياً في إنكار السكان الذين سبق وجودهم، ولا يمنح أي قومية حق اعتبار الأرض ملكاً حصرياً لها وإلغاء تاريخ الآخرين.
فالتاريخ أكثر تعقيداً من رواية المنتصر.
وقد شهدت المنطقة، عبر قرون طويلة، هجرات وحروباً وفتوحات وتبدلات سكانية وتغيرات سياسية متلاحقة.
لكن هذه التحولات لا تعني أن الشعب الذي جاء لاحقاً يملك حق محو الذاكرة التاريخية للشعب الذي كان موجوداً قبله.
ولا يمكن أن تتحول أحداث وقعت قبل قرون إلى تفويض أبدي يسمح لقومية ما بأن تنكر حقوق قومية أخرى في الحاضر.
ومن هنا فإن التعايش الحقيقي لا يقوم فقط على سؤال:
من جاء أولاً؟
وإنما يقوم على سؤال:
كيف يعيش من يعيش اليوم بكرامة ومساواة وحقوق متساوية؟
وهذا هو جوهر المواطنة الحديثة.
4- حين تحولت اللاقومية إلى موقف من القومية الكوردية
الأخطر في المسألة أن الخطاب لم يبقَ في حدود التنظير.
فقد تزامن انتشار مفهوم اللاقومية مع تصاعد خطاب إعلامي وسياسي شديد القسوة ضد قوى كوردية أخرى، وفي مقدمتها ضد الحزب الديمقراطي الكوردستاني، بحيث لم يعد الخلاف مجرد اختلاف في البرامج والرؤى والمناهج السياسية، بل أخذ في بعض مراحله شكل هجوم معلن إعلامياً وميدانياً على جزء أساسي من البنية السياسية الكوردية.
وهنا تصبح المسألة أكثر من مجرد خلاف بين حزبين.
فإذا كان المشروع الجديد يريد تجاوز القومية، فلماذا يتحول الحزب الذي يتمسك بالمشروع القومي الكوردي إلى خصم مركزي؟
ولماذا تصبح التجربة السياسية في إقليم كوردستان هدفاً للنقد والضغط لأنها اختارت الحفاظ على خطاب قومي كوردستاني واضح؟
أليس من حق الكورد أن تكون لهم أكثر من مدرسة سياسية؟
أليس من الطبيعي أن توجد داخل الشعب الواحد تيارات قومية، وديمقراطية، ويسارية، وليبرالية، وإسلامية، وغيرها؟
إن الاختلاف السياسي طبيعي.
أما تحويل الاختلاف إلى معركة لإلغاء أحد الطرفين، فهو أمر مختلف تماماً.
المفارقة الكبرى: اللاقومية في مواجهة إقليم كوردستان
والأغرب من كل هذا التحول في الأهداف والمفاهيم والتعريفات أن حزب العمال الكوردستاني لم يكتفِ بإعادة تعريف القومية والهوية على المستوى الفكري، بل انتقل إلى محاولة فرض هذه الرؤية سياسياً على عموم كوردستان، ووصل الأمر إلى توجيه خطاب علني يحمل في بعض مراحله لغة ضغط وتهديد مباشر تجاه إقليم كوردستان.
فالرسالة التي يمكن قراءتها من هذا الخطاب، في جوهرها، تقول:
لن نقبل ما تقوم به حكومة إقليم كوردستان من تكريس للفكر القومي الكوردي في الإقليم وفي كامل المنطقة، ونعتبر هذا الاتجاه خروجاً عن المسار الصحيح، بل يصل الخطاب أحياناً إلى اتهام هذا النهج بأنه خيانة للشعب الكوردي.
وهنا تظهر المفارقة الأكثر إثارة للقلق.
فكيف يمكن أن تتحول القومية الكوردية، التي كانت في الماضي جوهر القضية وسبباً للصراع والتضحيات، إلى مفهوم يُوبَّخ الكوردي لأنه يتمسك به؟
وكيف تصبح حكومة إقليم كوردستان، التي تمثل تجربة سياسية كوردية قائمة على أرض كوردستان، موضع اتهام لأنها تتمسك بالهوية القومية الكوردية، بينما تُقدَّم في الوقت نفسه مفاهيم الأخوة بين الشعوب واللاقومية والاندماج بوصفها الطريق الصحيح؟
والأخطر من ذلك أن بعض هذا الخطاب يذهب أبعد من نقد التجربة السياسية في الإقليم، ليصور المشروع القومي الكوردي وكأنه خطر على القوميات الأخرى، أو وكأن التمسك بالهوية الكوردية يمثل طعنة في ظهر الأمة العربية أو التركية أو الفارسية.
وهنا تصبح المفارقة أكثر وضوحاً:
كيف يمكن لخطاب يعلن تجاوز القوميات أن يبدو، في بعض تطبيقاته، وكأنه يعترف بالقوميات الأخرى ويحترم وجودها السياسي والتاريخي، ثم يطلب من الكوردي وحده تجاوز قوميته؟
إذا كانت القومية قد أصبحت، وفق هذا التصور، مفهوماً متخلفاً تجاوزه الزمن والحضارة، فلماذا لا يشمل هذا التجاوز القوميات الأخرى أيضاً؟
ولماذا تبقى الدول المحيطة مرتبطة بهوياتها ولغاتها ورواياتها الوطنية، بينما يُطلب من الكوردي أن يتخلى عن قوميته حتى يصبح مواطناً صالحاً ومتعايشاً مع الآخرين؟
5- من تنظيم كردي إلى مشروع كوردستاني
وهنا تظهر نقطة أخرى بالغة الأهمية.
فحزب العمال الكوردستاني لم يعد يقدم نفسه، في خطابه وممارسته، بوصفه تنظيماً يخص قضية الكورد في شمال كوردستان وحدها، وإنما أصبح تنظيماً كوردستانياً عابراً لحدود الأجزاء الأربعة.
وهذا التحول له نتيجة طبيعية:
إذا أصبح التنظيم كوردستانياً في دوره، فإن أفكاره لم تعد شأناً داخلياً يخص شمال كوردستان وحده، وإنما أصبحت ذات تأثير على عموم كوردستان.
ومن هنا فإن فرض نظرية اللاقومية على الكورد في الأجزاء الأخرى لم يعد مجرد موقف فكري داخلي لحزب، بل أصبح مسألة سياسية كوردستانية عامة.
وهنا تكمن الخطورة.
فإذا كان من حق أي حزب أن يطور أفكاره وأن يعيد النظر في أهدافه، فليس من حقه أن يحول هذه المراجعة الفكرية إلى معيار وحيد للحقيقة الكوردية، ثم يستخدم قوته السياسية والعسكرية والإعلامية للضغط على بقية القوى والمجتمعات الكوردية كي تتبنى هذا التصور.
الانعطافة التي أربكت القاعدة الحزبية
هذه الانعطافة الفكرية والسياسية لم تمر، وفق ما يُنقل عن أوساط الحزب وجمهوره، من دون تذمر وتساؤلات داخلية.
فحين ينتقل تنظيم نشأ على خطاب قومي ثوري واضح إلى خطاب يراجع مفهوم القومية نفسه، فمن الطبيعي أن يثير ذلك أسئلة لدى أعضاء الحزب وأنصاره الذين تربوا على مفاهيم وأهداف مختلفة.
وقد ظهرت مؤشرات على وجود تباينات وتوترات وتساؤلات داخلية حول الاتجاه الجديد، وإن كان من الصعب قياس حجمها الحقيقي بسبب طبيعة التنظيم.
فهنا يجب أن نكون أكثر دقة.
إن بنية PKK التنظيمية شديدة الهرمية والمركزية، والدراسات التي تناولت بنيته تشير إلى محدودية الأدلة على وجود صراعات داخلية علنية واسعة، وإلى وجود قيادة موحدة ومساحة محدودة للمعارضة المستقلة. كما أن أدبيات التنظيم نفسها عرفت آليات للنقد الذاتي، لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجود تعددية داخلية مفتوحة بالمعنى الحزبي المعتاد.
وهذا يفسر لماذا لا يمكن ببساطة أن يتحول تذمر عضو أو مجموعة من الأعضاء إلى تيار فكري مستقل داخل التنظيم.
فالتنظيم المغلق لا يسمح بسهولة بتحويل النقد إلى وجهة نظر سياسية موازية.
والسؤال هنا ليس فقط:
هل يستطيع العضو أن ينتقد؟
بل: ماذا يمكن أن يحدث له إذا تحول نقده إلى معارضة فكرية مستقلة؟
وهذا سؤال لا يمكن الإجابة عنه بالتخمين.
لكن طبيعة التنظيم الهرمية، وارتباطه التاريخي بقيادة مركزية، تجعل مصير المعارض الداخلي مسألة حساسة، وتفسر في الوقت نفسه ندرة ظهور تيارات علنية مستقلة تنافس الخط الرسمي من داخل التنظيم.
ومن هنا يمكن فهم سبب بقاء التحولات الكبرى في مسار الحزب وكأنها تأتي من الأعلى إلى الأسفل، بينما لا نرى نقاشاً داخلياً مفتوحاً يتيح للأعضاء والجمهور أن يناقشوا بصورة حرة سؤالاً بالغ الخطورة:
هل التخلي عن القومية الكوردية هو فعلاً مصلحة كوردستان؟
6- من العصبية الثورية إلى اللاقومية
إن مسار التحول الفكري لحزب العمال الكوردستاني يثير سؤالاً عميقاً.
فقد انتقل الحزب، على مدى عقود، من مرحلة كانت فيها العصبية الثورية ذات الخطاب القومي الصريح في قلب المشروع، إلى مرحلة أصبح فيها الخطاب أكثر انفتاحاً على مفاهيم اللاقومية والإنسانية والاندماج.
ومن حق أي حركة سياسية أن تطور نفسها.
لكن السؤال ليس في حقها في التغيير، وإنما في نتيجة هذا التغيير على القضية الكوردية.
فالتحول من خطاب قومي إلى خطاب فوق قومي لا يصبح مشكلة بحد ذاته إذا بقي خياراً فكرياً داخل إطار سياسي تعددي.
أما عندما يتحول إلى معيار للحكم على بقية الكورد، وعندما يصبح من يتمسك بالقومية الكوردية متخلفاً أو رجعياً أو خائناً، فإننا نكون أمام انقلاب في المفاهيم.
فالقومية التي كانت بالأمس أداة للتحرر أصبحت اليوم، في بعض الخطابات، شيئاً يجب التخلص منه.
والذي كان يناضل من أجل الاعتراف بالكوردي أصبح يطالبه بأن يتجاوز تعريف نفسه ككوردي قومي.
وهذا التحول يحتاج إلى قراءة نقدية عميقة.
7- اللاقومية في بيئة غير متكافئة
اللاقومية والاندماج يمكن أن يكونا مشروعين إنسانيين نبيلين، لكنهما لا يعملان في الفراغ.
فالاندماج الحقيقي يحتاج إلى بيئة سياسية وقانونية تضمن المساواة.
يحتاج إلى:
– دولة قانون.
– دستور يحمي الحقوق.
– مساواة فعلية بين المواطنين.
– حماية اللغة والثقافة.
– حقوق سياسية واضحة.
– مؤسسات مستقلة.
– عدالة اقتصادية.
– تكافؤ في الفرص.
– احترام للتعددية.
– عدم وجود قومية مهيمنة تملك الدولة وتطلب من الآخرين الذوبان فيها.
أما عندما تكون الدولة نفسها مبنية على هيمنة قومية أو تاريخ طويل من الصراع والتمييز، فإن الحديث عن الاندماج يحتاج إلى ضمانات حقيقية، لا إلى شعارات.
فالاندماج بين متساوين شيء.
والذوبان في هوية مهيمنة شيء آخر.
وإذا كان ثمن الاندماج أن يتخلى الكوردي عن قوميته ولغته وذاكرته وخصوصيته، بينما تبقى القومية الحاكمة محتفظة بلغتها وتاريخها ورموزها ومؤسساتها، فهذه ليست مساواة.
إنها ذوبان طرف في طرف آخر.
هل أصبح الكورد استثناء شعوب المنطقة؟
وكأن الكورد أصبحوا فجأة مطالبين بأن يكونوا الاستثناء بين شعوب المنطقة:
أن يتجاوزوا قوميتهم.
وأن يتخلوا عن فكرة الدولة القومية.
وأن يصبحوا دعاة سلام فوق قومي.
وأن يفتحوا حدود هويتهم للجميع.
بينما لا تتخلى القوميات الأخرى عن دولها، ولا عن لغاتها، ولا عن هوياتها، ولا عن رواياتها التاريخية، ولا عن مصالحها السياسية.
وكأننا أصبحنا، كما لو أن التاريخ كلفنا بهذه المهمة، ملائكة سلام بين شعوب الأرض، مطالبين بأن نُسقط عن أنفسنا ما لم يسقطه الآخرون عن أنفسهم.
وهنا لا بد من السؤال:
من الذي طلب من الكورد أن يكونوا الاستثناء؟
ولماذا يجب على الكوردي أن يتجاوز القومية في الوقت الذي ما زالت فيه القوميات المحيطة به هي الإطار السياسي للدول والأنظمة والمجتمعات؟
8- اللاقومية ونزع السلاح الفكري
من وجهة نظر هذا البحث، فإن المشكلة لا تكمن في الدعوة إلى الإنسانية أو السلام أو التعايش بحد ذاتها.
فهذه قيم لا يمكن رفضها.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه المفاهيم إلى أدوات تطلب من الكوردي وحده أن يتخلى عن هويته، بينما تبقى أسباب الهيمنة القومية والسياسية قائمة.
فاللاقومية والاندماج، كما يطرحان في هذا السياق، -من وجهة نظري- ، بوصفهما تنازلاً سياسياً وفكرياً كبيراً إذا طُلب من الكوردي أن يتخلى عن هويته القومية في الوقت الذي لم تتغير فيه الشروط التي أنتجت الصراع أصلاً.
وهنا يصبح السؤال:
هل نزع السلاح يعني فقط التخلي عن السلاح؟
أم أن هناك أيضاً نزعاً للسلاح الفكري والسياسي؟
فالشعب الذي يتخلى عن سلاحه المادي، ثم يتخلى عن هويته السياسية والقومية، ثم يقبل أن تكون قوميته نفسها موضع اتهام، قد يجد نفسه في النهاية بلا أدوات ضغط، وبلا مشروع واضح، وبلا تعريف سياسي لذاته.
وهذا أخطر من خسارة معركة عسكرية.
السلام لا يعني الاستسلام
الحديث عن السلام لا ينبغي أن يخيف أحداً.
والكورد بحاجة إلى السلام كما يحتاج إليه جميع شعوب المنطقة.
لكن السلام الحقيقي لا يعني الاستسلام.
والتعايش لا يعني التخلي عن الذات.
والمرونة السياسية لا تعني إلغاء الهوية.
والتسوية لا تعني أن يقدم طرف واحد كل التنازلات.
فإذا كان السلام يقوم على التوازن والاعتراف المتبادل، فهو سلام.
أما إذا بدأ بإقناع طرف واحد بأن مشكلته تكمن في هويته، فهو ليس سلاماً متوازناً.
ولهذا يجب أن يكون معيار الحكم هو المؤسسات والقوانين والضمانات والأفعال، لا الكلمات وحدها.
9- عودة ترامب والضغط على الكورد
وهنا نصل إلى أكثر فصول المرحلة الراهنة إثارة للقلق.
فمع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وإعادة ترتيب الولايات المتحدة لأولوياتها في المنطقة، دخل الملف الكوردي مرة أخرى في لعبة المصالح الإقليمية والدولية.
وقد اتسم الموقف الأميركي خلال هذه المرحلة برسائل متباينة تجاه القوى الكوردية؛ ففي بعض المراحل ظهر انفتاح على التعاون مع قوى كوردية، وفي مراحل أخرى صدرت مواقف وضغوط أثارت لدى الأوساط الكوردية مخاوف وتساؤلات حول حدود الالتزام الأميركي.
ولهذا، فإن الحديث عن أن تصريحات ترامب أو غيره كانت «معادية للقومية الكوردية» يحتاج إلى تحديد كل تصريح وسياقه بدقة.
لكن الأهم من النوايا والتوصيفات هو الأثر السياسي.
فحين تتقاطع مواقف دولية وإقليمية مختلفة مع الخطاب الجديد لحزب العمال الكوردستاني، يمكن أن يجد الكوردي نفسه أمام ضغط متعدد الاتجاهات للدخول في ترتيبات جديدة عنوانها السلام والاندماج واللاقومية.
وهنا يجب التوقف.
لأن تزامن التحولات لا يعني بالضرورة وجود اتفاق سري أو مؤامرة مشتركة؛ فالنيات تحتاج إلى أدلة ووثائق.
لكن السياسة لا تُقرأ بالنيات وحدها.
إنها تُقرأ أيضاً بالنتائج.
والنتيجة التي تستحق الدراسة هي أن الكورد وجدوا أنفسهم أمام ضغط متزايد لقبول معادلة جديدة:
التخلي عن الصراع القومي مقابل السلام، والتخلي عن المشروع القومي مقابل الاندماج، والتخلي عن جزء من الهوية مقابل الاعتراف بالمواطنة.
وهنا يجب أن يسأل الكوردي:
هل هذه معادلة متوازنة؟
أم أن المطلوب منه تقديم التنازلات أولاً، ثم انتظار أن يتغير الآخرون لاحقاً؟
الوضع الكوردي الراهن: لماذا يبدو المشهد مقلقاً؟
ولذلك، فإن أقل ما يمكن أن يقال عن الوضع الكوردي الراهن، من زاوية هذا البحث، أنه مقلق إلى حد كبير، بل مرعب سياسياً إذا استمرت الاتجاهات الحالية من دون مراجعة وتوازن.
فالمشهد يجمع عدة عناصر في وقت واحد:
حزب كوردي مسلح أعاد تعريف أهدافه ومفاهيمه.
خطاب لاقومي يراجع مفهوم القومية الكوردية.
صراع وضغط متواصل بين القوى الكوردية نفسها.
دول إقليمية لا تزال تتعامل مع المسألة الكوردية باعتبارها ملفاً أمنياً وسياسياً يهدد مصالحها.
وضغوط دولية متغيرة لا تملك فيها القوى الكوردية ضمانات ثابتة.
وفوق كل ذلك، تعنت قومي وسياسي واضح من الدول التي تسيطر على أجزاء كوردستان، أو التي ورثت ترتيبات السيطرة التي نشأت عن مراحل الاحتلال والتقسيم السابقة.
وفي مثل هذه البيئة، يصبح التخلي الأحادي الجانب عن أدوات الهوية السياسية والقومية أكثر خطورة.
لأن الطرف الذي يتخلى عن أوراقه قبل أن يحصل على ضمانات واضحة، قد يجد نفسه لاحقاً أمام واقع جديد يصعب التراجع عنه.
10- إقليم كوردستان في قلب الاختبار
وهنا يصبح إقليم كوردستان، وخاصة أربيل، في قلب الاختبار.
فالإقليم يمثل، مهما اختلفنا مع حكومته أو أحزابه وسياساته، تجربة سياسية كوردية استطاعت أن تبني مؤسسات وإدارة وبرلماناً وعلاقات إقليمية ودولية، وأن تجعل من الهوية الكوردية إطاراً سياسياً معلناً.
ولهذا فإن الصراع حول مفهوم القومية ليس صراعاً نظرياً فقط.
إنه أيضاً صراع حول معنى هذه التجربة ومستقبلها.
هل المطلوب أن يتراجع إقليم كوردستان عن هويته القومية كي ينسجم مع نظرية اللاقومية؟
هل المطلوب أن يصبح المشروع الكوردستاني أقل كوردستانية حتى يكون مقبولاً لدى الآخرين؟
وهل المطلوب من أربيل أن تتخلى عن تكريس الفكر القومي الكوردي، بينما تستمر الدول المحيطة في بناء مؤسساتها وهوياتها على أسس قومية واضحة؟
إذا كان الجواب نعم، فإننا لا نتحدث عن لاقومية متبادلة.
بل نتحدث عن تفكيك تدريجي للمشروع القومي الكوردي من داخله.
11- من القومية إلى اللاهوية؟
وهنا نصل إلى أخطر سؤال في هذا البحث كله.
إذا تجاوزنا القومية، فما الذي سيبقى؟
هل ستبقى اللغة؟
هل ستبقى الذاكرة؟
هل ستبقى الجغرافيا؟
هل ستبقى رواية التاريخ؟
هل سيبقى الشعور بالانتماء؟
هل سيبقى حق الشعب في أن يعرّف نفسه بنفسه؟
هل سيبقى لنا حق تقرير المصير المقدس عند جميع البشر؟!
إن الإنسانية لا تحتاج إلى إلغاء الخصوصيات.
فالعالم لم يصبح إنسانياً لأنه ألغى القوميات، وإنما أصبح أكثر إنسانية عندما بدأ يعترف بحق الشعوب والأفراد في الكرامة والحرية والمساواة.
ولهذا فإن الكوردي لا يحتاج إلى أن يصبح بلا هوية كي يصبح إنساناً.
بل يحتاج إلى أن يكون إنساناً وهو كوردي.
السؤال الأخطر: من يقرر مستقبل الكوردي؟
القضية في النهاية ليست مجرد خلاف حول مصطلح «القومية».
القضية هي:
من يملك حق تعريف الكوردي؟
هل يملك الكوردي هذا الحق؟
أم يملكه حزب ما؟
أم تملكه دولة؟
أم تملكه مجموعة من المثقفين والسياسيين؟
أم تفرضه الظروف الإقليمية؟
إذا كان الكوردي قد ناضل لعقود من أجل أن يثبت حقه في أن يكون نفسه، فإن أخطر نتيجة يمكن أن يصل إليها هي أن يتخلى بنفسه عن هذا الحق.
وهنا يجب أن نكون واضحين:
ليس المطلوب من الكورد أن يكرهوا الآخرين.
وليس المطلوب أن يتحولوا إلى قومية عدوانية.
وليس المطلوب أن يلغي الكوردي العربي أو التركي أو الفارسي.
المطلوب فقط أن يكون للكوردي الحق نفسه الذي يطالب به الآخرون:
أن يكون نفسه.
الخاتمة: لا سلام بإلغاء الذات
إن اللاقومية، إذا كانت مشروعاً إنسانياً حقيقياً، يجب أن تكون متبادلة وشاملة وعادلة.
أما أن تبدأ بإقناع الكوردي بأن قوميته هي المشكلة، قبل أن تتغير البنية القومية والسياسية للدول التي يعيش فيها، فذلك لا يقود إلى المساواة.
بل قد يقود إلى نزع السلاح الفكري من شعب لم تتحقق له المساواة السياسية والقومية بعد.
لا يمكن أن يكون الكوردي أول من يتخلى عن قوميته، بينما لا تزال القوميات المحيطة به تحتفظ بدولها ولغاتها وتاريخها ومؤسساتها ومصالحها.
فالإنسانية لا تبدأ بإلغاء الكوردي.
والسلام لا يحتاج إلى محو هويته.
والمواطنة لا تتطلب منه أن يتخلى عن كوردانيته.
والتعايش لا يحتاج إلى أن يصبح أحد الطرفين بلا هوية.
والاندماج لا يعني الذوبان.
واللاقومية لا تعني أن يتخلى الكوردي عن قوميته وحده.
إن الكورد لا يحتاجون إلى أن يتخلوا عن كونهم شعباً كي يصبحوا جزءاً من الإنسانية؛ بل يحتاجون إلى أن يدخلوا إليها بوصفهم شعباً حراً، صاحب هوية وحقوق وكرامة، وقادراً على أن يتعايش مع الآخرين من موقع المساواة لا من موقع التنازل.
وهنا تعود المعادلة إلى بدايتها:
إذا كان حزب العمال الكوردستاني قد بدأ مشروعه باعتباره مشروعاً للتحرر، فإن السؤال اليوم ليس فقط:
ماذا حقق هذا المشروع؟
بل السؤال الأهم:
ماذا بقي من فكرة التحرر عندما أصبح الكوردي مطالباً بالتحرر من قوميته نفسها؟
وإذا كانت القومية قد أصبحت مشكلة، فليكن السؤال:
لماذا تكون مشكلة عند الكوردي فقط؟
وإذا كانت الدولة القومية قد أصبحت من مخلفات الماضي، فليكن السؤال:
لماذا لم تصبح كذلك عند الآخرين؟
وإذا كانت الأخوة بين الشعوب هي المستقبل، فلتكن أخوة بين شعوب متساوية، لا أخوة بين شعب يحتفظ بكل عناصر قوته وشعب يُطلب منه أن يتخلى عن عناصر هويته.
وإذا كان السلام هو الهدف، فليكن السلام الذي يحمي الكوردي ولا يمحو الكوردي.
لأن الكوردي لا يحتاج إلى أن يتخلى عن كوردانيته كي يثبت أنه إنسان.
ولا يحتاج إلى أن يتخلى عن قوميته كي يثبت أنه ديمقراطي.
ولا يحتاج إلى أن يتخلى عن كوردستان كي يثبت أنه يؤمن بالتعايش.
فالقومية الكوردية ليست عداءً للآخر، كما أن قومية الآخر ليست جريمة؛ المشكلة تبدأ فقط عندما تصبح قومية طرف حقاً طبيعياً، وقومية الطرف الآخر تهمة.
ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية في المرحلة القادمة قد لا تكون معركة السلاح، ولا حتى معركة الحدود، وإنما قد تكون معركة الوعي:
من يملك تعريف الكوردي؟
ومن يملك حق تحديد مستقبله؟
ومن يملك حق القول له: كن قومياً عندما نحتاج قوميتك، وتخلَّ عنها عندما تصبح قوميتك عبئاً على الآخرين؟
إن الشعب الذي يفقد تعريفه لنفسه، يفقد جزءاً من قدرته على صناعة مستقبله.
ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس العودة إلى الماضي، ولا إعادة إنتاج الصراع المسلح، ولا رفض السلام أو التعايش، وإنما إعادة ترتيب المعادلة على أساس واحد:
السلام نعم، التعايش نعم، الديمقراطية نعم، المواطنة نعم، الأخوة بين الشعوب نعم… ولكن ليس على حساب وجود الكوردي وهويته وذاكرته وحقه في أن يكون شعباً.
فالاندماج بين متساوين شراكة.
أما الاندماج الذي يبدأ بتنازل طرف واحد عن هويته، فهو ذوبان.
والسلام بين متساوين مستقبل.
أما السلام الذي يبدأ بتجريد طرف واحد من أوراقه، فهو استسلام.
واللاقومية إن كانت حقاً مشروعاً إنسانياً، فيجب أن تكون للجميع.
أما أن تبدأ من الكوردي وحده، بينما تبقى القوميات الأخرى في دولها وهوياتها ومؤسساتها، فهذه ليست نهاية القوميات.
إنها بداية نهاية القومية الكوردية وحدها.
وهنا، ربما، تكمن أخطر نتيجة يمكن أن يصل إليها هذا التحول كله:
أن ينتقل الكوردي من مرحلة كان يناضل فيها كي يعترف العالم بأنه شعب، إلى مرحلة يحتاج فيها إلى أن يدافع عن حقه في أن يبقى شعباً في مواجهة خطاب يطلب منه أن يتجاوز نفسه قبل أن يعترف الآخرون بمساواته.
وهذه ليست نهاية الصراع الكوردي… بل بداية سؤال جديد:
هل يستطيع الكورد أن يحافظوا على هويتهم، وفي الوقت نفسه يدخلوا عصر السلام والتعايش، من موقع الشراكة لا من موقع التنازل؟
وهذا، في تقديري، هو السؤال الذي سيحدد مستقبل القضية الكوردية في المرحلة القادمة.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى

مظاهرة غويران تحت المجهر

د. مرشد اليوسف المعلومات المنشورة عن مظاهرة الحسكة في 2 تشرين الأول/أكتوبر تشير إلى أن مطالبها المعلنة شملت تعزيز حضور مؤسسات الدولة…

الهيئة المرحلية للحركة الوطنية الكردية: المرحلة الراهنة تتطلب توحيد الحركة الكردية والتحاور مع العهد الجديد

تصريح المتحدثة باسم الهيئة المرحلية للحركة الوطنية الكردية كوهر حيدر عقدت الهيئة المرحلية للحركة الوطنية الكردية لقاءها الافتراضي الرابع عشر بعد المائة…