خالد جميل محمد Xalid Cemîl Mihemed
للمرة الألف، يدهشني انغماس بعض عقلائنا في صدمة الهزائم المحتومة، على الأصعدة كافة، (السياسية، العسكرية، الدبلوماسية، الفكرية، الثقافية، الإبداعية، اللغوية، الإعلامية، الاجتماعية، العلمية والتربوية..)، وأحياناً، أكاد أنزلق مثلهم في كل منعطف خطِر، تمرّ به مجتمعاتنا المستباحة لكل صنوف الانتهاك، لتبرير انكسار هنا وتَصدُّع هناك، وتلميع لطخةٍ في جبين تاريخ انكساراتنا المكرورة، بالأسباب والوسائل ذاتها، وبالنتائج والمآلات ذاتها، وبالعقلية نفسها، وتجويدِ وصمةٍ في الطرائق الصدئة للصياغة المشوَّهة لذلك التاريخ، ثم أعود وأربط النتائج بالمقدمات، فأكرر معاتبة الجانب العاطفي العليل من شخصيتي، أمام سقوطٍ ليس هو الأولَ ولن يكون هو الأخيرَ.
بنظرة نقدية جادّة وموضوعية، مجرّدة من آفة الانحياز العاطفي السقيم وكوارثه المدمرة، إلى سلسلةِ ما تَؤُول إليه أحوالنا، نجد أن ما يحلّ بنا ليس بالأمر الداهم بغتة، بل هو المَصَبّ الذي تفضي إليه مياه خُطَطنا اللاخُطَط وبرامجنا اللابرامج وأدواتنا العليلة في تشخيص أدوائنا المزمنة العُضال المستعصية على العلاج. ونجد أيضاً أن هزائمَنا الجَمّة، متعددةُ البدايات، متشعبة النهايات، تنتشر وباءً في منظومات حيواتنا وعقولنا ومجتمعاتنا والعلاقات الجامعة بينها، بروابط بنيوية تعكس هشاشة تلك المنظومات وهُزالََها. كيف؟!
بالنظر المتزن والمتوازن والبريء من عاهة الشعارات الخلّبية والمزايدات الخاوية، والتُّرَّهات المتفشية، التي طحنت آلة المنطق في أذهاننا، إلى المستوى الهابط جداً، والمخزي جداً، والمتدني جداً، لِما نسمي معظمَها، ونتفاخر بها، بلا حرَج، وبلا خجلٍ، (إبداعات ثقافية وفنية وأدبية)، لا علاقة لها بالإبداع، وبالنظر إلى التهريج المهيمن على أدائنا الإعلامي الركيك إلى حدّ النفور، وبالنظر النقدي أيضاً، إلى نتاجاتنا اللغوية من معاجم ليست بمعاجم، وشعر ليس بشعر، وروايات ليست بروايات، وكتابات شوّهت سُمعة الكتابة، وبالنظر إلى واقع الحال في التنظيمات السياسية والمدنية والحقوقية والتعليمية والتربوية، وحجم هُزالها وتخبطها، ندرك أننا العاملُ الأول والرئيسُ في صناعة هزائمنا اللامتناهية منذ مقتل هابيل، حتى خنق آخر حلم في سُباتنا العميق، ثم نعود ونواصل تبريرها هزيمةً هزيمةً، ونغطي عيوبنا بأصباغ التبريرات الجوفاء، ولا نقرّ، مثقال جُنحة، بفاعلية دورنا الجمعي والفردي الُمدمِّر في ما جَنت أيدينا من محاولات بائسة لتجميل حقيقتنا الممسوخة، وتطريز قبائح مجاملاتنا الكاذبة، في متتاليةِ “متلازمة الهزيمة وسلوك التبرير”.