محمدالشرف الحسيني
1- من دولة إدارة الصراع إلى دولة مكافحة الإرهاب والاستثمار وإعادة الإعمار
* تمهيد: الحدث الكوردي–السوري الجديد
قبل البدء، لا بد من تسجيل وجهة نظري في الحدث الكوردي–السوري الجديد، والمتمثل في الإعلان الرسمي عن حلّ قوات سوريا الديمقراطية ضمن صيغة الدولة السورية الجديدة.
وبرأيي، فإن هذا الإعلان لن يكون نهاية المسار، بل بداية لمرحلة سياسية جديدة في العلاقة بين دمشق والكورد. ومن المحتمل أن يتبعه حضور شخصية كوردية وازنة، ولربما السيد مظلوم عبدي نفسه، في هيئة الرئاسة السورية، سواء بصفة نائب للرئيس، أو مستشار رئاسي، أو ضمن صيغة سياسية أخرى يجري التوافق عليها.
وهنا لا أتحدث عن مجرد منصب شكلي، بل عن احتمال إعادة صياغة العلاقة بين المكوّن الكوردي والدولة السورية على أساس سياسي ودستوري جديد، تنتقل فيه القوى الكوردية من موقع القوة العسكرية المستقلة إلى موقع الشريك السياسي والمؤسساتي داخل الدولة.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، يمكن فهم جانب مهم من التحولات التي تشهدها سوريا اليوم.
أولًا: العودة إلى حكاية الإرهاب
هنا نصل إلى النقطة الأكثر أهمية في قراءة قرار رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
بصريح العبارة، فإن خروج سوريا من هذه القائمة لا يعني خروجها من منظومة مكافحة الإرهاب الدولية، ولا يعني أن دمشق أصبحت حرة في التعامل مع جميع الحركات والتنظيمات التي تصنفها الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية أو تركيا تنظيمات إرهابية.
بل على العكس؛ يمكن قراءة القرار بوصفه انتقالًا من مرحلة الدولة المتهمة برعاية التنظيمات المسلحة المصنفة إرهابية إلى مرحلة الدولة التي يُطلب منها ضبط علاقتها بهذه التنظيمات، ومنع أراضيها ومؤسساتها من أن تتحول إلى منصة لدعمها أو تمويلها أو تسليحها أو إيوائها.
* من الدولة الراعية إلى الدولة الشريكة في مكافحة الإرهاب
لا بل إن المطلوب من سوريا الجديدة ليس مجرد الامتناع عن رعاية التنظيمات المصنفة إرهابية، وإنما الانتقال إلى موقع أكثر وضوحًا: أن تكون دولةً شريكةً ومشاركةً في مكافحة الإرهاب، وفق منظومة التصنيفات والمعايير التي تعتمدها الولايات المتحدة والدول الأوروبية وتركيا، وبالتنسيق مع المنظومة الدولية ذات الصلة.
وهذا يعني أن دمشق، في المرحلة الجديدة، لن تكون مطالبة فقط بإغلاق أبوابها أمام التنظيمات المسلحة المصنفة إرهابية، بل ستكون مطالبة أيضًا بالتعاون الأمني والاستخباري والعسكري في مواجهتها، ومنع استخدام الأراضي السورية قاعدةً للتنظيم أو التمويل أو التسليح أو التدريب أو العبور.
وبذلك يصبح رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب ليس جائزة مجانية، وإنما بداية عقد سياسي وأمني جديد: تخرج فيه سوريا من موقع الدولة المتهمة برعاية التنظيمات المسلحة، لتدخل في موقع الدولة التي يُنتظر منها أن تكون جزءًا من منظومة مكافحة الإرهاب.
ومن هنا يمكن فهم الكثير من التحولات العسكرية والسياسية التي نشهدها اليوم، ومنها مستقبل قوات سوريا الديمقراطية، وموقع القوى الكوردية المسلحة، وكذلك مستقبل العلاقة السورية مع حماس وحزب الله وحزب العمال الكوردستاني، وغيرها من التنظيمات التي تختلف التصنيفات القانونية والسياسية بشأنها، لكنها تقع ضمن دائرة التدقيق الأمريكي والتركي والأوروبي.
إن المعادلة الجديدة، ببساطة، هي:
الدولة السورية تحصل على الاعتراف والاندماج الدولي، وفي المقابل تصبح مسؤولة عن ضبط السلاح خارج مؤسساتها، ومكافحة التنظيمات المصنفة إرهابية، ومنع تحويل الأراضي السورية إلى منصة لحروب الوكالة.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية المرحلة المقبلة:
سوريا لا تخرج فقط من قائمة الدول الراعية للإرهاب؛ بل يُراد لها أن تدخل، تدريجيًا، في منظومة الدول المشاركة في مكافحته.
ثانيًا: من دولة ترعى الصراع إلى دولة تبحث عن الأمن الاقتصادي
إذا عدنا إلى الدور السوري في عهد نظام البعث، فإن دمشق كانت، وفق القراءة السياسية لتلك المرحلة، جزءًا أساسيًا من منظومة إقليمية استخدمت التنظيمات والقوى المسلحة كأدوات في إدارة الصراع الإقليمي.
وقد وصلت الاتهامات الموجهة إلى النظام السابق إلى الحديث عن تسهيلات ودعم وأدوار مباشرة وغير مباشرة في التعامل مع تنظيمات جهادية، بما فيها القاعدة وتنظيم داعش، فضلًا عن علاقاته الطويلة مع عدد من القوى المسلحة الإقليمية.
وبالتالي، فإن الصورة التي نراها اليوم تبدو أقرب إلى معادلة معاكسة تمامًا.
فبدل أن يكون الأمن السوري قائمًا على إدارة الصراعات وتوظيف القوى المسلحة، يبدو أن الاتجاه الجديد يدفع نحو:
أمن الدولة → أمن الحدود → الأمن الإقليمي → الأمن الاقتصادي.
ولعل الأمن الاقتصادي هو أحد المفاتيح الأساسية لفهم التحول القادم.
فالمنطقة لم تعد تحتمل، بالدرجة نفسها، استمرار نموذج الحروب المفتوحة وحروب الوكالة؛ لأن الاستقرار أصبح شرطًا لجذب الاستثمارات الإقليمية والدولية، وإعادة بناء سوريا، وربطها بشبكات التجارة والطاقة والنقل في المنطقة.
وهذا ليس مجرد افتراض اقتصادي؛ فقرار رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب أزيل في توقيته أحد أكبر العوائق أمام التعاملات المالية والاستثمارية وإعادة الإعمار، بينما تتحرك دول عربية وتركيا في مسارات متوازية لدعم استقرار سوريا وإعادة بنائها.
ومن هنا أتوقع أن تتقدم الاستثمارات في البنية الخدمية والتحتية إلى مقدمة المشهد خلال السنوات المقبلة:
الكهرباء، والمياه، والطرق، والمطارات، والاتصالات، والإسكان، والمناطق الصناعية، وشبكات النقل والطاقة، إضافة إلى إعادة تأهيل المدن والمرافق العامة.
أي أن المعادلة قد تنتقل تدريجيًا من:
السلاح ← النفوذ ← الصراع
إلى:
الأمن ← الاستقرار ← الاستثمار ← إعادة الإعمار ← التنمية.
وهذا التحول، إذا نجح، لن يغير سوريا وحدها؛ بل يمكن أن يعيد تشكيل جزء كبير من البيئة الجيوسياسية والاقتصادية في المنطقة.
فالأولوية في المرحلة القادمة قد لا تكون لمن يملك أكبر عدد من الفصائل المسلحة، وإنما لمن يستطيع أن يوفر بيئة آمنة لرأس المال، وممرات آمنة للتجارة، وبنية تحتية صالحة للاستثمار، ودولة قادرة على حماية المشاريع والاستثمارات.
وهنا تتقاطع السياسة مع الاقتصاد بصورة مباشرة:
الاستقرار يصبح سلعة استراتيجية، والأمن يصبح شرطًا للتنمية، والبنية التحتية تصبح مقدمةً لإعادة تشكيل المنطقة اقتصاديًا.
ثالثًا: سوريا بين النفوذ التركي والعمق العربي
وهنا تبرز مسألة أخرى قد تصبح من أكثر القضايا حساسية داخل الدولة السورية الجديدة.
فتركيا تمتلك أوراقًا أمنية وعسكرية واقتصادية كبيرة في الملف السوري، بينما تتحرك دول الخليج ومصر والأردن باتجاه دعم مؤسسات الدولة السورية، وإعادة سوريا إلى محيطها العربي، والمشاركة في عملية إعادة الإعمار والاستثمار.
وليس من المستبعد أن يتحول هذا التعدد في الشراكات إلى تنافس على اتجاه سوريا السياسي والاقتصادي والأمني.
فالاستثمار التركي، والخبرة التشغيلية والبنية التجارية التركية، يمكن أن تتقاطع مع التمويل الخليجي، والدور المصري في قطاعات مختلفة، والموقع الاستراتيجي للأردن، فضلًا عن الدور الأمريكي والأوروبي في إعادة دمج سوريا في النظام المالي والاقتصادي الدولي.
ومن ثم، فإن سوريا الجديدة قد تتحول من ساحة صراع بين القوى المسلحة إلى ساحة تنافس على الاستثمار والنفوذ الاقتصادي والسياسي.
وهذا، في حد ذاته، يمثل انتقالًا نوعيًا في طبيعة الصراع.
رابعًا: الكورد في المعادلة السورية الجديدة
في هذا السياق، يصبح الملف الكوردي أكثر ارتباطًا بالتحول العام في سوريا.
فإذا كانت الدولة السورية الجديدة تتجه نحو توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، فإن السؤال الكوردي لن يكون فقط سؤال سلاح، بل سؤال شراكة سياسية ودستورية وإدارية وأمنية.
ومن هنا يمكن أن يكون إدماج القوى الكوردية ضمن الدولة، بدل إبقائها خارج مؤسساتها، جزءًا من المعادلة الأوسع التي تقوم على:
جيش واحد، قرار أمني واحد، دولة واحدة، وشراكة سياسية متعددة المكونات.
وبالنسبة للكورد، فإن الانتقال من قوة عسكرية مستقلة إلى شريك سياسي داخل الدولة قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تختلف جذريًا عن مرحلة الحرب.
وهنا تبرز أهمية الشخصية الكوردية التي قد تدخل في قمة هرم الدولة السورية أو مؤسساتها العليا، لأن وجود شخصية كوردية ذات وزن سياسي وأمني يمكن أن يكون جزءًا من صيغة التوازن الجديدة بين المكونات السورية.
خامسًا: المعادلة الاقتصادية الجديدة
إذا نجحت سوريا في تثبيت الأمن السياسي والعسكري، فإن السؤال التالي سيكون اقتصاديًا بامتياز:
* من سيموّل إعادة بناء سوريا؟ ومن سيبنيها؟ ومن سيحصل على الحصة الأكبر من اقتصادها الجديد؟
وهنا ستدخل تركيا والخليج ومصر والأردن وأوروبا والولايات المتحدة وغيرها في منافسة اقتصادية مختلفة عن منافسة مرحلة الحرب.
فالبلد الذي كان ميدانًا للحرب يمكن أن يتحول إلى سوق ضخمة لإعادة الإعمار.
والمدن المدمرة تتحول إلى مشاريع.
والطرق المقطوعة تتحول إلى ممرات تجارية.
وشبكات الكهرباء والمياه والاتصالات تتحول إلى فرص استثمارية.
والمرافئ والمطارات والمناطق الصناعية تتحول إلى عقد استراتيجية تربط سوريا بمحيطها الإقليمي والدولي.
وبذلك قد يصبح الاقتصاد، لا السلاح، هو الأداة الرئيسية لصناعة النفوذ في سوريا الجديدة.
خاتمة
* مجرد وجهة نظر
لعل المرحلة المقبلة، وفي المستقبل القريب، تشهد خلافًا أوليًا داخل بنية الحكم السوري حول حجم الدور التركي وحدود النفوذ التركي في سوريا؛ وهو خلاف قد يبقى في بدايته سياسيًا ودبلوماسيًا، لكنه قد يتطور، إذا تعمقت التباينات، إلى صراع على مراكز النفوذ وصناعة القرار داخل الدولة.
وقد يأخذ هذا التباين شكلًا غير مباشر بين رؤيتين:
– رؤية الشمال السوري المرتبطة بتركيا، والتي ترى في أنقرة شريكًا إقليميًا وأمنيًا وسياسيًا أساسيًا في مستقبل سوريا، ويمثله السيد وزير الخارجية.
– ورؤية الجنوب السوري، الأكثر انفتاحًا على المحيط العربي، ولا سيما دول الخليج العربي ومصر والأردن، والتي قد تدفع باتجاه إعادة سوريا إلى عمقها العربي، وتقليص أي نفوذ إقليمي يتجاوز حدود الشراكة إلى التأثير في القرار السيادي السوري. ويمثله شخص رئيس الجمهورية .
وقد لا يكون الخلاف في بدايته صراعًا معلنًا بين شخصيات أو مؤسسات، بل قد يظهر على شكل اختلاف في الأولويات والسياسات الخارجية والأمنية والاقتصادية:
– من يحدد اتجاه سوريا الإقليمي؟
– من يملك التأثير الأكبر في القرار الأمني؟
– كيف ستتوزع الشراكات والاستثمارات وإعادة الإعمار بين تركيا والعالم العربي والقوى الدولية؟
– ومن يملك القدرة على التأثير في مستقبل الجيش والأمن والاقتصاد السوري؟
وهنا قد تظهر، في تقديري، إحدى أهم المعادلات السياسية في سوريا الجديدة:
الشمال السوري بوصفه المجال الأكثر التصاقًا بتركيا، في مقابل جنوب ووسط عربيين أكثر انفتاحًا على الخليج ومصر والأردن.
لكن هذه الثنائية لا ينبغي أن تتحول بالضرورة إلى انقسام جغرافي؛ فقد تكون مجرد مدارس نفوذ ورؤى مختلفة داخل دولة سورية واحدة.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي في المرحلة المقبلة لن يكون فقط:
من يحكم سوريا؟
بل ربما يصبح السؤال الأهم:
من يحدد اتجاه سوريا بعد أن أصبحت الدولة نفسها ساحةً لتقاطع المصالح التركية والعربية والدولية؟
وهنا تحديدًا ستظهر قدرة الدولة السورية الجديدة على إنتاج قرار وطني مستقل، قادر على الاستفادة من جميع الشراكات الإقليمية والدولية، من دون أن يتحول إلى تابع لأي محور.
فنجاح سوريا الجديدة لن يقاس فقط بخروجها من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وإنما بقدرتها على الخروج أيضًا من منطق المحاور، والدخول في منطق الدولة والمصالح والاستثمار والسيادة.
وفي النهاية، قد تكون المعادلة التاريخية التي نحن أمامها هي انتقال سوريا:
من دولةٍ كانت جزءًا من منظومة الصراع الإقليمي،
إلى دولةٍ مطالبة بالمشاركة في مكافحة الإرهاب،
ومن اقتصاد الحرب إلى اقتصاد إعادة الإعمار،
ومن النفوذ المسلح إلى النفوذ الاقتصادي،
ومن حروب الوكالة إلى شراكات الاستثمار،
ومن ساحةٍ للصراع إلى جسرٍ للمصالح الإقليمية والدولية.
وهنا، ربما، تبدأ قصة سوريا الجديدة فعلًا..