من وحدة الرأي الكوردي إلى بناء المشروع الوطني

حسن قاسم
عملت قوى المجتمع المدني الكوردستاني خلال السنوات الماضية على توحيد الرأي العام الكوردي في سوريا، وحشد طاقاته، والدفع باتجاه توحيد خطاب الحركة السياسية ومواقفها تجاه التحديات والمخاطر التي تواجه شعبنا الكوردي. وقد انطلق هذا الجهد من قناعة راسخة بأن المرحلة لا تحتمل المزيد من التشتت والانقسام، وأن حماية الحقوق والوجود والهوية الكوردية تتطلب موقفاً سياسياً موحداً ومشروعاً وطنياً واضحاً.
لكن هذا العمل اصطدم، في كثير من الأحيان، بما يمكن تسميته الطائفية السياسية، وهي في تقديرنا أخطر من الطائفية المجتمعية، لأنها تتموضع داخل مواقع القرار وتستمد شرعيتها من ادعاء التمثيل السياسي للمجتمع، بينما لا تكون قراراتها دائماً بمستوى آمال وطموحات الشعب الذي تدّعي تمثيله.
لقد كشفت السنوات الماضية بوضوح عن أزمة عميقة داخل الحركة السياسية الكوردية في سوريا، تتمثل في ضعف الأداء، والتشتت، وغياب الرؤية المشتركة، وعدم القدرة على إنتاج قيادة أو شخصية ذات حضور وكاريزما قادرة على جمع القوى المختلفة حول مشروع سياسي وطني يتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة، ويعيد وصل الحركة السياسية بجمهورها.
ولذلك، فإن استمرار النهج القديم لم يعد خياراً مقبولاً. طبيعة المرحلة تغيرت، ومعها تغيرت أدوات الصراع وأهدافه وتحدياته. ومن واجب الحركة السياسية الكوردية أن تجري مراجعة شاملة لأدائها، وأن تقيّم تجربتها بموضوعية وشجاعة، وأن تعيد النظر في آليات عملها وبنيتها التنظيمية، وفي طريقة إعداد كوادرها وتربيتها السياسية.
فالعمل السياسي ليس امتيازاً شخصياً ولا وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة. وأحد أخطر ما يهدد أي حركة سياسية هو تحول المال السياسي إلى أداة للتأثير في القرار، أو انحراف بعض القيادات نحو حسابات ومصالح تتعارض مع المصلحة العليا للشعب الكوردي. إن المطلوب هو كادر سياسي يمتلك الوعي الوطني، والنزاهة، والاستعداد لتحمل المسؤولية، ويضع المصلحة العامة فوق المصالح الحزبية والشخصية.
المجتمع المدني ودوره في المنعطفات التاريخية
وفي المنعطفات التاريخية الكبرى، يبرز دور المجتمع المدني بوصفه قوة مجتمعية قادرة على قراءة التحولات، والتنبيه إلى المخاطر، وطرح البدائل. فالمجتمع المدني ليس بديلاً عن الأحزاب والقوى السياسية، ولا ينافسها على مواقع القرار، وإنما يشكل مساحة مستقلة للحوار والمراقبة والنقد والمساهمة في بناء الوعي العام.
وفي تجارب الشعوب، كان للمجتمع المدني دور مهم في حماية السلم الأهلي، والدفاع عن الحقوق والحريات، ومواجهة الاستبداد والفساد، والمساهمة في صياغة رؤى جديدة لمستقبل البلاد. ولذلك فإن تهميشه، أو التعامل معه باعتباره طرفاً ثانوياً، يحرم المجتمع من طاقات وكفاءات يمكن أن تكون عاملاً مهماً في تجاوز الأزمات والمنعطفات الصعبة.
ومن هذا المنطلق، فإننا في قوى المجتمع المدني الكوردستاني لا نطرح أنفسنا بديلاً عن الحركة السياسية الكوردية، وإنما نرى أنفسنا قوة مكملة لها؛ نراقب وننتقد ونقترح وندافع عن المصلحة العامة. ونعتقد أن مستقبل الشعب الكوردي في سوريا لا يمكن أن يصنعه السياسيون وحدهم، بل يحتاج إلى مشاركة المثقفين والأكاديميين والشباب والنساء والنقابات والمنظمات المدنية وكل الفعاليات الاجتماعية، لأن بناء المستقبل مسؤولية جماعية وليست مهمة حزب أو جهة واحدة.
سوريا بين الاستقرار والديمقراطية
وفي الوقت نفسه، يجب أن نوضح موقفنا من مستقبل سوريا. نحن لسنا من أنصار الحروب ولا الفوضى ولا عدم الاستقرار، ونريد لسوريا أن تكون دولة لجميع أبنائها. ولذلك نترقب سلوك السلطة الانتقالية وخياراتها السياسية والدستورية.
فإذا كانت السلطة الانتقالية تتجه فعلاً نحو بناء دولة ديمقراطية، تقوم على اللامركزية السياسية والإدارية، وحكومة وطنية كفوءة، وصناديق الاقتراع باعتبارها مصدر الشرعية، ودستور يضمن حقوق جميع مكونات الشعب السوري، وفي مقدمتهم الشعب الكوردي والاعتراف بهويته وحقوقه القومية، فإننا سنكون من الداعمين لكل جهد يساهم في استقرار البلاد وبناء مستقبلها.
أما إذا اتجهت السلطة نحو الإقصاء، وإعادة إنتاج النظام المركزي، وتنفيذ أجندات إقليمية أو دولية على حساب سيادة سوريا وحقوق مكوناتها، فعندها سيكون من واجب القوى الديمقراطية والوطنية أن تقف في صف المعارضة السياسية السلمية لهذا النهج، والعمل من أجل تغييره عبر الوسائل الديمقراطية والمشروعة.
القضية الكوردية أكبر من المناصب
إن القضية الكوردية في سوريا ليست قضية مناصب عسكرية أو إدارية يحصل عليها هذا الشخص أو ذاك، وليست صفقة سياسية يمكن اختزالها بعدد من المقاعد والمواقع. إنها قضية شعب يعيش على أرض آبائه وأجداده، وله هوية ولغة وثقافة وحقوق وطنية وقومية.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس البحث عن مكاسب فردية، بل بناء مشروع كوردي وطني جامع، وإعادة الاعتبار لوحدة الصف، وتفعيل دور المجتمع المدني، وفتح حوار جدي بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية والثقافية.
فالمرحلة الجديدة تحتاج إلى عقل سياسي جديد؛ عقل يتجاوز الانقسام والحزبية الضيقة، ويضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، ويؤمن بأن قوة الكورد في سوريا لن تكون بكثرة الأحزاب، وإنما بوحدة رؤيتهم، وتماسك موقفهم، وقدرتهم على بناء شراكة وطنية ديمقراطية تحفظ حقوقهم وتصون مستقبلهم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم هناك أسئلة لم يعد من الممكن الهروب منها أو تأجيلها. فبعد التحولات الكبرى التي شهدتها الحركة الكردية خلال العامين الأخيرين، وبعد دعوة عبدالله أوجلان إلى إنهاء الكفاح المسلح وحلّ حزب العمال الكردستاني، ثم دخول العملية التركية ـ الكردية مرحلة تشريعية جديدة، يحق للكرد أن يسألوا: إلى أين تتجه هذه العملية؟ ومن المستفيد منها ؟ هل نحن أمام تسوية…

شيخ أمين كلين ياسادة الافاضل : مارأيكم في فكرة المراجعة ؟ _ الفلاح في نهاية كل موسم يدقق في حساباته لابل يراجع حتى يعرف ميزان الربح والخسارة . _ الطالب قبل دخول الامتحان يراجع موضوع المطلوب منه ، وبعد خروجه من الامتحان يراجع من جديد ليتاكد من اجاباته . _ التاجر نهاية كل سنة ، يأتي بمحاسب ليدقق له حساباتة…

نورالدين عمر تسود لدى قطاع واسع من مجتمعنا قناعة بضرورة تقييم المواقف السياسية للدول تجاه القضية الكردية بالأفعال لا بالأقوال، معتبرين التصريحات الشفهية مجرد استهلاك إعلامي لا قيمة له. ورغم منطقية هذا الطرح الداعي إلى نتائج ملموسة، إلا أنه يحجم أحياناً عن إدراك الوزن الاستراتيجي للخطاب السياسي، فالأحداث الكبرى في التاريخ لم تبدأ بالتحركات الميدانية المباشرة، بل بالتصريحات الأخلاقية…

شكري بكر جميعنا ندرك أن الدولة الكوردية المستقلة لا يمكن أن تأتي دفعة واحدة، بل قد تتحقق بصورة تدريجية، انطلاقا من إقليم كوردستان أولا، بالتوازي مع حدوث تطورات إيجابية في أوضاع الكورد في سوريا وتركيا وإيران. وبناء على ذلك، يمكن الحديث عن عدد من السيناريوهات المحتملة لقيام الدولة الكوردية، ومن أبرزها: 1 ترسيخ إقليم كوردستان ككيان شبه مستقل يتطلب ذلك…