حماية الإنسان وسيادة القانون فوق الخلافات السياسية

شادي حاجي
ما ورد في تصريح المكتب القانوني للمجلس الوطني الكردي في سوريا بشأن التهديدات التي طالت عدداً من المحامين والنشطاء، وما أُشير إليه من تهديد بالقتل وتشهير وتحريض، فضلاً عن محاولة اختطاف المحامي سداد سيد مجيد، يستوجب الإدانة والاستنكار. وأنا بدوري أدين هذه التهديدات وأستنكرها، وأتضامن مع المستهدفين، انطلاقاً من الدفاع عن حق الإنسان في الحياة والأمان والكرامة، وعن مبدأ سيادة القانون.
وإذا صحت الوقائع الواردة في التصريح، فإنها لا يمكن اختزالها في مجرد خلاف سياسي أو سجال إعلامي. فالتهديد بالقتل والتحريض ومحاولة الاختطاف، إن ثبتت، أفعال خطيرة تستوجب تحقيقاً قضائياً مستقلاً، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة كل من تثبت إدانته وفقاً للقانون.
وتزداد خطورة الأمر عندما يكون أحد المستهدفين، المحامي رضوان سيدو، عضواً في مجلس الشعب السوري. فاستهداف محامٍ وعضو في مؤسسة تشريعية لا يمس شخصه وحده، بل يمس حرية العمل القانوني والسياسي، ويوجّه رسالة خطيرة بشأن قدرة أصحاب الرأي والمواقف السياسية على ممارسة دورهم دون خوف أو ترهيب.
ومن هنا تقع مسؤولية مباشرة على عاتق السلطة الانتقالية في دمشق، وكذلك السلطات القائمة فعلياً في المناطق المعنية، للتحقق من هذه الوقائع، وحماية الأشخاص المهددين، وحفظ الأدلة، وفتح تحقيق قضائي مستقل وشفاف، وملاحقة كل من تثبت مسؤوليته، أياً كان انتماؤه أو موقعه السياسي أو الأمني.
كما ينبغي التعامل مع الأدلة الرقمية المتعلقة بالتهديد والتشهير والتحريض وفقاً للأصول القانونية، من دون تحويل قوانين الجرائم الإلكترونية إلى أدوات لتقييد حرية الرأي أو تصفية الحسابات السياسية. فحرية التعبير حق أساسي، لكنها لا تمنح أحداً الحق في التهديد بالقتل أو التحريض على العنف، كما أن مكافحة هذه الأفعال لا تبرر قمع المعارضة السياسية.
إن الخلاف بين القوى والأحزاب الكردية، وفي مقدمتها المجلس الوطني الكردي وPYD، يجب أن يبقى خلافاً سياسياً يُدار بالحوار والعمل السياسي، لا بالتهديد أو التشهير أو استخدام الأجهزة الأمنية ضد الخصوم. كما أن نجاح المرحلة الانتقالية في سوريا يُقاس بقدرتها على إنهاء منطق الإفلات من العقاب، ووضع جميع القوى، دون استثناء، تحت سلطة القانون.
لذلك، فإن المطلوب اليوم هو: التحقيق والحماية والمحاسبة؛ تحقيقٌ يكشف الحقيقة، وحمايةٌ تحول دون وقوع أي اعتداء جديد، ومحاسبةٌ تطال كل من تثبت مسؤوليته دون تمييز.
فلا يمكن بناء دولة قانون إذا بقي الحزب أقوى من القانون، أو السلاح أقوى من القضاء. وحماية حياة المواطن وكرامته، أياً كان انتماؤه السياسي، يجب أن تكون نقطة البداية لأي انتقال سياسي حقيقي في سوريا.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم هناك أسئلة لم يعد من الممكن الهروب منها أو تأجيلها. فبعد التحولات الكبرى التي شهدتها الحركة الكردية خلال العامين الأخيرين، وبعد دعوة عبدالله أوجلان إلى إنهاء الكفاح المسلح وحلّ حزب العمال الكردستاني، ثم دخول العملية التركية ـ الكردية مرحلة تشريعية جديدة، يحق للكرد أن يسألوا: إلى أين تتجه هذه العملية؟ ومن المستفيد منها ؟ هل نحن أمام تسوية…

شيخ أمين كلين ياسادة الافاضل : مارأيكم في فكرة المراجعة ؟ _ الفلاح في نهاية كل موسم يدقق في حساباته لابل يراجع حتى يعرف ميزان الربح والخسارة . _ الطالب قبل دخول الامتحان يراجع موضوع المطلوب منه ، وبعد خروجه من الامتحان يراجع من جديد ليتاكد من اجاباته . _ التاجر نهاية كل سنة ، يأتي بمحاسب ليدقق له حساباتة…

نورالدين عمر تسود لدى قطاع واسع من مجتمعنا قناعة بضرورة تقييم المواقف السياسية للدول تجاه القضية الكردية بالأفعال لا بالأقوال، معتبرين التصريحات الشفهية مجرد استهلاك إعلامي لا قيمة له. ورغم منطقية هذا الطرح الداعي إلى نتائج ملموسة، إلا أنه يحجم أحياناً عن إدراك الوزن الاستراتيجي للخطاب السياسي، فالأحداث الكبرى في التاريخ لم تبدأ بالتحركات الميدانية المباشرة، بل بالتصريحات الأخلاقية…

شكري بكر جميعنا ندرك أن الدولة الكوردية المستقلة لا يمكن أن تأتي دفعة واحدة، بل قد تتحقق بصورة تدريجية، انطلاقا من إقليم كوردستان أولا، بالتوازي مع حدوث تطورات إيجابية في أوضاع الكورد في سوريا وتركيا وإيران. وبناء على ذلك، يمكن الحديث عن عدد من السيناريوهات المحتملة لقيام الدولة الكوردية، ومن أبرزها: 1 ترسيخ إقليم كوردستان ككيان شبه مستقل يتطلب ذلك…