الجرب السياسي… حين تصبح العدوى منهجًا

كفاح محمود

  هناك أمراض تُصيب الأجساد، وأخرى تُصيب الدول، الأولى يكتشفها الأطباء، أما الثانية فلا تظهر في التحاليل، بل في الخطاب العام، وفي طريقة إدارة الخلاف، وفي تحوّل السياسة من فنٍ لبناء المصالح إلى ساحة لتبادل الأحقاد، ومن بين هذه الأمراض ما أسميه “الجرب السياسي، ولا أقصد به حزبًا أو سلطة أو معارضة، بل حالة تُصيب الحياة السياسية عندما تتخلى عن مناعة الأخلاق، وكما يبدأ الجرب بحكة صغيرة ثم ينتشر إذا أُهمل، تبدأ هذه الظاهرة بتبرير تجاوز هنا، أو كذبة هناك، أو شائعة يُغض الطرف عنها لأنها تخدم طرفًا دون آخر، وما إن تجد من يبررها، حتى تتحول من خطأ إلى عادة، ومن عادة إلى منهج.

  أول أعراض الجرب السياسي أن يفقد النجاح قيمته، فلا يُنظر إلى الإنجاز بوصفه فرصة للمنافسة، بل باعتباره استفزازًا يستحق التقليل منه أو التشكيك فيه، ويصبح الحسد السياسي أكثر حضورًا من التنافس الشريف، والنميمة أكثر رواجًا من المعلومة، والتشهير أسرع انتشارًا من الحقيقة، والتسقيط أقصر الطرق إلى الشهرة، ومع اتساع العدوى، يتراجع العقل لمصلحة الغريزة، فلا يعود المطلوب إقناع الناس، بل استثارة غضبهم، ولا بناء رأي عام، بل تعبئة جمهور غاضب، عندها تصبح الكلمة أداة تحريض، والخلاف خصومة، والاختلاف تهمة، بينما تتوارى الحقيقة خلف ضجيج الشعارات والانفعالات.

  ولأن الأمراض لا تميز بين ضحاياها، فإن الجرب السياسي لا يتوقف عند حدود السياسيين، سرعان ما ينتقل إلى الإعلام، ثم إلى منصات التواصل الاجتماعي، ومنها إلى المجتمع كله، حيث يبدأ الناس، من حيث لا يشعرون، في تقليد اللغة نفسها، والأحكام نفسها، وحتى الكراهية نفسها، وهنا تكمن خطورته الحقيقية؛ فهو لا يفسد السياسة وحدها، بل يُضعف مناعة المجتمع، وعندما تضعف المناعة، لا تعود الأخطاء تُدان، بل تُقلَّد، ولا تبقى التجاوزات استثناء، بل تتحول إلى قواعد غير مكتوبة تحكم السلوك العام.

  ولعل أخطر ما في هذا المرض أنه قادر على إنتاج أشكال جديدة من الممارسة السياسية، لعل أبرزها ذلك الازدواج بين المشاركة في السلطة والتنصل من مسؤولياتها، وهي ظاهرة تستحق حديثًا مستقلًا.

  إن الدولة لا تنهار يوم ينتصر الفاسد، بل يوم يقلده خصومه، ففي تلك اللحظة لا ينتصر شخص على آخر، وإنما ينتصر المرض على الجسد كله، ولكون السياسة ليست مهنة الملائكة، فانها لن تخلو يومًا من الصراع أو الطموح أو المصالح، لكن الفرق بين السياسة السليمة والسياسة المريضة، هو أن الأولى تمتلك مناعة تُصحح أخطاءها، بينما الثانية تتعايش مع المرض حتى تظنه جزءًا من طبيعتها، وعندما تصبح العدوى منهجًا، لا يعود الجرب السياسي مجرد استعارة بلاغية، بل وصفًا دقيقًا لمرحلة بدأت فيها السياسة تأكل نفسها من الداخل.

 

تقرير المختبر:

كل مجتمع يتسامح مع الجرب السياسي طويلًا، يمنحه فرصة التحول من مرض جلدي محدود إلى وباء يلتهم جسد الدولة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي في السياسة، لا توجد موازين قوى ثابتة، ولا أوراق ضغط تبقى صالحة إلى الأبد. وما تشهده سوريا اليوم يؤكد هذه الحقيقة ، إذ يبدو أن مرحلة فرض الوقائع بالقوة تفسح المجال تدريجياً لمرحلة البحث عن تسويات سياسية وقانونية أكثر استدامة. خلال السنوات الماضية، امتلكت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أوراقاً تفاوضية قوية فرضتها ظروف الحرب والدعم الدولي وسيطرتها…

صلاح بدرالدين مرحلة إعادة التعريف وتبدأ من ليلة الخامس من آب ١٩٦٥ في الكونفرانس الخامس للحزب الديموقراطي الكردي ، الذي أخذ على عاتقه تصحيح المسار ، والحفاظ على وحدة الحزب ، وصيانته من الانحرافات ، وذلك بعملية مدروسة ، محكمة ، نابعة من المسؤولية التاريخية في إعادة تعريف الشعب ، والقضية ، والحزب ، والسياسات ، والعلاقات الوطنية ،…

حسين امين منذ عام 1986، عندما كنت في دمشق، بدأت أقرأ أولى منشورات حزب العمال الكوردستاني، وكانت “مختارات أوجلان – العدد الأول” أول إصدار يقع بين يدي. بعدها تابعت مجلة كوردستان، ومجلة روج، والمنشورات السرية والعلنية، والرسائل الداخلية، ووثائق المؤتمرات، ومرافعات عبد الله أوجلان الخمس، كما درست النظام الداخلي للحزب، وكانت لي علاقات مباشرة مع عدد من كوادره وأصدقائه. لم…

د . مرشد اليوسف تُعد زيارة الرئيس البرزاني إلى دمشق من أهم المحطات السياسية في المرحلة السورية الراهنة، لأنها تأتي في مرحلة تتقاطع فيها قضايا بناء الدولة السورية، ومستقبل محافظة الحسكة والعلاقات الإقليمية، مع ملف القضية الكردية بوصفها إحدى أكثر القضايا تعقيدًا منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة. ولا تنبع أهمية الزيارة من شخصية البرزاني فحسب، بل من كونها تأتي…