شادي حاجي
في اللحظات التاريخية الفاصلة، لا تمنح الشعوب ثقتها لمن يُكثر من إصدار البيانات، بل لمن يُحسن قراءة اللحظة السياسية، ويملك الجرأة على المبادرة، والقدرة على تحويل المطالب إلى مكاسب. أما الاكتفاء بالبيانات والمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، فليس نضالاً سياسياً، بل قد يكون تعويضاً عن غياب الفعل السياسي.
المشهد الحزبي الكردي في سوريا، في جانب منه، يعاني من ظاهرة باتت تستحق المراجعة الجادة. فما إن يقع حدث سياسي، أو يصدر موقف من السلطة الانتقالية، أو تتغير معادلات إقليمية، حتى تتسابق الأحزاب إلى إصدار البيانات ونشرها على صفحات “فيسبوك”، وكأن البيانات أصبحت غاية بحد ذاتها، لا مجرد وسيلة من وسائل العمل السياسي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ماذا بعد البيان؟
هل غيّر بيان واحد موازين القوى؟ هل فتحت البيانات باباً للحوار؟ هل أسهمت في تثبيت حق دستوري؟ وهل استطاعت أن تجعل القضية الكردية أكثر حضوراً على طاولات القرار في سوريا؟
السياسة لا تُدار من خلف الشاشات، ولا تُختزل في بيانات الإنكار أو الترحيب أو الإدانة. السياسة فعلٌ يومي، ومبادرة مستمرة، وحضور دائم في كل مساحة يمكن أن تؤثر في صناعة القرار.
إن المرحلة الانتقالية التي تعيشها سوريا تفرض على الأحزاب الكردية مسؤوليات تاريخية، تبدأ بإجراء حوارات جادة مع القوى والأحزاب والشخصيات الوطنية البارزة، والانفتاح على مسؤولي السلطة الانتقالية في دمشق، وتقديم مشاريع دستورية متكاملة تُعبّر عن الحقوق المشروعة للشعب الكردي ضمن إطار الدولة السورية، ولا تنتهي ببناء شبكة من العلاقات السياسية القادرة على الدفاع عن هذه الحقوق في كل محفل وطني ودولي.
وفي الداخل، لا يقل التقصير خطورة. فكم من لجنة سياسية أو قانونية أو إعلامية أو اقتصادية أو إغاثية تحمل اسماً في الهيكل التنظيمي، لكنها غائبة عن الفعل والإنتاج؟ وكم من كفاءات وخبرات بقيت معطلة لأن الأحزاب لم تُحسن استثمارها؟ إن الحزب الذي لا يُفعّل مؤسساته يفقد تدريجياً قدرته على صناعة المبادرات، ويكتفي بملاحقة الأحداث بدلاً من التأثير فيها.
كما أن الحزب الذي يغيب عن المجتمع، ويهمل النشاط الثقافي والاجتماعي والإغاثي، لا يستطيع أن يدّعي تمثيله. فالناس لا تبحث فقط عن خطاب سياسي، بل عن حضور يلامس همومها، ويعزز ثقتها، ويؤكد أن الحزب شريك في معاناتها، لا مجرد مراقب يعلّق على ما يجري.
إن الدفاع عن الحقوق الدستورية للشعب الكردي لا يكون بالشعارات وحدها، بل بإعداد الملفات القانونية لكل ما تعرّض له الشعب الكردي في سوريا من سياسات وإجراءات استثنائية وانتهاكات في ظل الحكومات المتعاقبة على الحكم في سوريا، وصياغة الرؤى الدستورية، وخوض المفاوضات، وبناء التحالفات، والعمل المؤسسي المنظم. فالدساتير لا تُكتب بالبيانات، والحقوق لا تُصان بالمنشورات، والمكاسب السياسية لا تتحقق بالاكتفاء بردود الأفعال.
لقد آن الأوان لأن تنتقل الأحزاب من ثقافة البيان إلى ثقافة المبادرة، ومن إدارة الصفحات الإلكترونية إلى إدارة الملفات السياسية، ومن انتظار الأحداث إلى المشاركة في صناعتها. فالقضية الكردية اليوم تحتاج إلى أحزاب تفاوض أكثر مما تُعلّق، وتبادر أكثر مما تنتقد، وتعمل أكثر مما تكتب.
إن النقد هنا ليس انتقاصاً من قيمة البيانات السياسية؛ فهي تظل أداة مهمة للتعبير عن الموقف، لكنها تفقد قيمتها عندما تتحول إلى بديل عن العمل السياسي، أو إلى وسيلة لإيهام القواعد الحزبية بأن النشاط قائم، بينما الواقع يشهد تراجعاً في الحضور والتأثير.
إن المرحلة الراهنة لا تحتمل إدارة السياسة بمنطق ردود الأفعال، ولا تسمح بإهدار الفرص التاريخية. فكل يوم يمر دون مبادرة، أو حوار، أو مشروع سياسي جاد، هو يوم تفقد فيه القضية الكردية فرصة جديدة لترسيخ حقوقها في مستقبل سوريا.
وفي السياسة، لا يذكر التاريخ من أكثر من إصدار البيانات، بل من أكثر من صناعة الوقائع.
وإلى مستقبل أكثر تأثيراً.