الكرد بين قضبان أنقرة ومقاعد دمشق

محي الدين حاجي

تتسارع الاحداث في دمشق لإعادة رسم الخارطة السياسية لسوريا وسط تحولات أسفرت عن تشكيل نظام الحكم الجديد لعام 2026، وفي قلب هذه التحولات، يظهر الملف الكردي أحد أكثر الملفات تعقيداً، ، بعكس ما يحدث في تركيا  مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ، حيث يعيش المشهد الكردي اليوم صراعاً صامتاً بين نموذج “الإقصاء عبر القضاء” في تركيا، ونموذج “الاحتواء عبر المؤسسات” في سوريا، لتجد الحركة السياسية الكردية نفسها أمام فصل جديد ويؤسس لواقع سياسي وميداني مختلف .وتكمن مضمون النموذج التركي في خنق “الشرعية الشعبية” ومحاصرة الصعود الديمقراطي للمكون الكردي عبر الانتخابات، وهو ما تجسد في تجربة حزب الشعوب الديمقراطي بزعامة صلاح الدين دمرتاش، الذي صعد بقوة الأصوات وصناديق الاقتراع حيث تجاوز الـ 13% في انتخابات عام 2015، إلا أن رد الفعل في أنقرة جاء حاسماً عبر تجريده من حصانته البرلمانية واعتقاله في أواخر عام 2016 بتهم تتعلق بـ “الإرهاب” ومناصرة حزب العمال الذي وافق على مشروع السلام مع الحكومة التركية الان، واليوم ورغم القرارات المتكررة  الصادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والتي تقضي ببطلان التهم والمطالبة بإطلاق سراحه ، لا يزال دمرتاش خلف قضبان السجن، لتقدم قضيتة دليلاً واضحا على أن الديمقراطية  السياسية في تركيا هي شعار فضفاض  لا تتردد في الانقلاب عليها وتقوم بمعاقبة من يتجاوز الخطوط الحمراء المرسومة وفق نموذجهم .وبالمقابل في دمشق تبدو المقاربة مختلفة ؛ حيث تعتمد السلطة الجديدة بقيادة أحمد الشرع استراتيجية “البراغماتية السياسية” لضمان الاستقرار الداخلي وحصد الاعتراف الدولي، والمفارقة التاريخية هنا هي أن الممثل الكردي في دمشق الجديدة لم يأتِ عبر صناديق اقتراع تنافسية، بل جاء بـ “تعيين رئاسي مباشر” صاغته هندسة الحكم الانتقالي، وتجلّى ذلك عملياً مع صدور المرسوم الرئاسي رقم (143) لعام 2026 القاضي بتشكيل مجلس الشعب الجديد، حيث برز اسم  عبد الحكيم بشار، الشخصية القيادية في الحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا ونائب رئيس الائتلاف المعارض سابقاً، كعضو مَعين في البرلمان ضمن الثلث المكمل الذي يمتلك رئيس الجمهورية صلاحية الاختيار لترتيب موازنات المرحلة الانتقالية وتجنب مفاجآت الشارع المفتوحة.

ان سياسة الرئيس احمد الشرع تجاه المكون الكردي لم يولد فجأة، بل يستند في أصله إلى إرث من العلاقات والقنوات السرية “تحت الطاولة” التي جمعت لسنوات بين قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مظلوم عبدي، و”حكومة الإنقاذ” في إدلب التي كانت الواجهة المدنية لسلطة الشرع قبل السقوط الكبير للنظام، فرغم الخطاب الإعلامي الساخن وتهم التخوين المتبادلة أيديولوجياً، أدار الطرفان لسنوات شبكة مصالح اقتصادية وأمنية حيوية؛ وشكّل شريان النفط القادم من حقول الرميلان والعمر شرق الفرات نحو مناطق شمال غرب سوريا المنفعة المتبادلة الأبرز عبر شبكة معابر تجارية نشطة، وتوازى ذلك مع تنسيق أمني غير مباشر لوأد خلايا تنظيم “داعش” وضبط خطوط التماس ضد الفصائل الموالية لأنقرة، وهو ما تحول اليوم إلى ركيزة لـ “مفاوضات تسليم واستلام ناعمة” علنية في دمشق، بعد أن أدرك مظلوم عبدي أن زمن الإدارة الذاتية المستقلة عسكرياً قد انتهى، وأن التفاهم مع دمشق الجديدة هو طوق النجاة الوحيد لتجنب الصدام الشامل أو التصفية العسكرية التركية.

و لضمان عدم حدوث فراغ إداري  واحتقان سياسي في المناطق الكردية، اعتمدت سلطة دمشق هندسة سياسية دقيقة تقوم على معادلة تقاسم النفوذ وامتصاص النخب الكردية وتوزيعها بين المركز والأطراف؛ فقامت بنقل ثقل “المجلس الوطني الكردي” (ENKS) المقرب من محور أربيل إلى البرلمان المركزي في دمشق ليكون الواجهة السياسية والدستورية التي تمنح النظام الجديد شرعية التعددية، وفي المقابل، وعدم إمكانية إقصاء الكوادر التكنوقراطية والإدارية التي أدارت المنطقة لسنوات، اتجهت السلطة إلى فرز الكوادر المحلية التابعة لـ “مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد) والتيارات المحلية والمحسوبة على العمال الكردستاني نحو “مجالس المحافظات والبلديات” في الحسكة و كوباني لإدارة الشؤون الخدمية، شريطة الانضواء الكامل تحت مركزية الدولة وتفكيك الصبغة العسكرية وحصر قرار السلاح بدمشق.

تضع هذه المقارنة الإقليمية الكرد اليوم أمام التباس تاريخي عميق؛ فالخيار الشعبي المستقل الصاعد من صناديق الاقتراع يُسجن ويُقصى في أنقرة، بينما الخيار النخبوي التوافقي القائم على الصفقات والتسويات يُعيّن ويُقرّب في دمشق، ومع انتقال الكرد السوريين من “معركة السلاح والأمر الواقع” إلى “معركة الانتزاع الدستوري”، تظل الهواجس قائمة في أوساط الشارع الكردي حول مدى استمرارية هذه الوعود التشاركية، وما إذا كان الاحتواء الحالي خطوة حقيقية لتأسيس دولة مواطنة وقانون، أم مجرد مناورة مرحلية ذكية فرضتها ظروف الانتقال لتفكيك عناصر القوة العسكرية الكردية بشكل ناعم ودون إراقة دماء.وكما حصل مع البرلمانيين الكرد الثلاثة ببداية التسعينات ايام حكم حافظ الأسد. وطرد زعيم حزب العمال من سوريا .وامام الحركة اثبات نفسها أمام الحكومة والرأي العام الدولي  بأن نضالها سلمي وتستطيع الدخول الى كل مفاصل الحياة السياسية بشكل سلمي واثبات نفسها في الشارع الكردي بأنها تستطيع إمساك زمام الأمور وعدم التخلي بمطالبها القومية والدستورية مهما كلف الامر.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عدنان بدرالدين في الحلقات السابقة، لم تكن القضية الكردية مجرد ملف جانبي داخل التحول السوري الجديد. كانت، في كل مرة، مرآة لاختبار أعمق: هل تغيّرت الدولة السورية فعلًا، أم تغيّر خطابها فقط؟ هل تحولت كردستان الغربية من قوة وظيفية في حرب دولية إلى فاعل سياسي معترف به، أم انكشفت حدود القوة حين غاب التفويض؟ هل كان اتفاق الشرع ـ عبدي…

د. محمود عباس هل تحولت سوريا إلى دولة تابعة بواجهة انتقالية؟ ليست خطورة ما جرى في تشكيل مجلس الشعب السوري في أنه مجلس ناقص الشرعية فحسب، بل في أنه يكشف طبيعة النظام الذي يُعاد تركيبه في سوريا تحت اسم “الحكومة الانتقالية”. فالمسألة لم تعد مجرد خلل إجرائي في انتخاب ثلثي الأعضاء، أو تعيين الثلث الأخير من…

دلدار بدرخان دأبت قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي ” PYD ” منذ سنوات على ترسيخ ثلاث سياسات لم تكن آثارها السلبية على الخصوم بقدر ما كانت على القضية الكوردية نفسها . أولاً : تعميق الشرخ بين المكون الكوردي والعربي عبر ممارسات رعناء لا تمت إلى السياسة بصلة ، وأبرز مثال على ذلك حادثة استعراض جثامين مقاتلي الجيش السوري الحر في شوارع…

د. فريد سعدون ما المشكلة إذا استقال سكرتير الحزب وتنحى نهائيا عن القيادة ودعا إلى مؤتمر يتم فيه اختيار سكرتير ولجنة قيادية جديدة … ؟؟؟؟؟ المشكلة أننا رضعنا من ثقافة البعث ٧٠ سنة وترسخت في أذهاننا مقولة: قائدنا إلى الأبد ، والقائد الضرورة والزعيم الأوحد فضح الله سره… أنا الحزب والحزب أنا وليذهب الشعب إلى حديقة الملاهي .. https://www.facebook.com/permalink.php