الاعتراف لا الإدماج: نحو حل كردي – سوري ممكن.. الحلقة الخامسة والأخيرة من سلسلة: القضية الكردية بين الأسد والشرع

عدنان بدرالدين

في الحلقات السابقة، لم تكن القضية الكردية مجرد ملف جانبي داخل التحول السوري الجديد. كانت، في كل مرة، مرآة لاختبار أعمق: هل تغيّرت الدولة السورية فعلًا، أم تغيّر خطابها فقط؟ هل تحولت كردستان الغربية من قوة وظيفية في حرب دولية إلى فاعل سياسي معترف به، أم انكشفت حدود القوة حين غاب التفويض؟ هل كان اتفاق الشرع ـ عبدي بداية اعتراف، أم احتمالًا جديدًا للاحتواء؟ ومن يملك أصلًا حق الكلام باسم الكرد حين يصبح مستقبل شعب كامل موضوعًا للتفاوض؟

تصل السلسلة الآن إلى سؤالها الأخير: ما الحل الممكن؟

هذا ليس سؤالًا نظريًا. فهو لا يتعلق بنموذج دستوري مجرد، ولا برغبة كردية خاصة، ولا بمصطلح سياسي يمكن قبوله أو رفضه من بعيد. إنه سؤال يتعلق بمصير سوريا نفسها. فالدولة التي لا تعرف كيف تعترف بتعددها ستعود، عاجلًا أو آجلًا، إلى أزمتها القديمة. قد يتغير الحاكم، وتتبدل اللغة، وتُعاد تسمية المؤسسات، لكن الجرح نفسه سيبقى مفتوحًا: مركز يريد أن يحكم باسم الجميع، ومكونات تشعر أن الدولة لا تراها إلا حين تريد إخضاعها أو إدماجها أو استخدامها.

من هنا، لا يمكن النظر إلى الفيدرالية أو الحكم الذاتي أو اللامركزية السياسية بوصفها مطالب كردية منفصلة عن مستقبل سوريا. إنها، قبل ذلك، محاولة لإنقاذ الدولة السورية من نفسها: من مركزية صنعت الخوف، ومن وحدة تحولت إلى أداة إنكار، ومن سيادة فهمت نفسها كحق للعاصمة لا كعقد بين السكان.

لقد جرّبت سوريا المركزية الصلبة عقودًا طويلة. لم تحمِ هذه المركزية البلاد من الانفجار، ولم تمنع التدخلات الخارجية، ولم تحفظ الوحدة الاجتماعية، ولم تبنِ ثقة بين الدولة والمجتمع. كانت جزءًا من المشكلة لأنها جعلت الدولة فوق المجتمع، والمركز فوق الأطراف، والهوية الرسمية فوق الهويات الحية، والسلطة فوق العقد الوطني.

لذلك فإن العودة إلى الدولة المركزية القديمة، حتى لو جاءت بوجه جديد، ليست حلًا. قد تبدو في لحظة الفوضى علاجًا مغريًا: جيش واحد، علم واحد، مؤسسات واحدة، حدود مضبوطة، معابر تحت السيطرة. لكن الدولة ليست مجرد وحدة إدارية أو أمنية. الدولة التي لا تعترف بتعددها قد تستعيد الأرض، لكنها لا تستعيد الثقة. وقد ترفع العلم فوق المؤسسات، لكنها لا تبني شرعية.

في المقابل، لا يمكن أيضًا الدفاع عن بقاء سلطات الأمر الواقع كما هي. لا يمكن لسوريا أن تبقى إلى الأبد مقسمة بين إدارات وجيوش ومعابر وموارد متنازعة. ولا يمكن للقضية الكردية أن تُربط إلى ما لا نهاية بمصير تجربة حزبية أو عسكرية محددة، مهما كانت تضحياتها. فالمطلوب ليس تثبيت الانقسام، بل بناء صيغة تمنع عودة الإنكار.

هنا لا يكون السؤال: هل يعود الكرد إلى الدولة أم لا؟ فهم لم يكونوا يومًا خارج سوريا الحديثة. السؤال الحقيقي هو: إلى أي دولة يعودون؟ إلى دولة تعترف بهم كشعب ومكوّن قومي أصيل، أم إلى دولة تطلب منهم أن يذوبوا داخل مواطنة عامة لا تعالج تاريخ الإنكار؟ إلى عقد جديد، أم إلى مركز قديم بلغة أكثر نعومة؟

من بين الصيغ الممكنة، تظهر الفيدرالية كأحد الخيارات الجدية. لا لأنها وصفة سحرية، ولا لأنها مطلب كردي فقط، بل لأنها، في المجتمعات المركبة، إحدى الصيغ التي تسمح بتحويل التعدد من مصدر خوف إلى بنية دستورية. الفيدرالية، في معناها الديمقراطي، ليست تقسيمًا للدولة، بل إعادة توزيع للسلطة داخلها. وليست إعلانًا للانفصال، بل محاولة لجعل الوحدة ممكنة لأنها قائمة على الاعتراف لا على الإخضاع.

لكن الفيدرالية ليست الصيغة الوحيدة الممكنة إذا كانت موازين القوى لا تسمح بها الآن. فقد يكون الحل المرحلي حكمًا ذاتيًا ديمقراطيًا مضمونًا دستوريًا في المناطق الكردية، أو في مناطق ذات حضور كردي تاريخي واضح ضمن صيغة تراعي التعدد السكاني فيها. وقد تكون الصيغة لامركزية سياسية واسعة تمنح المناطق صلاحيات حقيقية في التعليم والثقافة والإدارة المحلية والأمن المحلي والتنمية والموارد، لا مجرد صلاحيات بلدية محدودة تحت رقابة مركزية خانقة.

المهم ليس الاسم وحده. المهم هو مضمون الصيغة. فإذا قيل «لامركزية» لكنها بقيت إدارية سطحية، فنحن أمام إعادة إنتاج للمركزية باسم جديد. وإذا قيل «حكم ذاتي» من دون ضمانات دستورية، فقد يتحول إلى ترتيب مؤقت يسقط عند أول تغير في ميزان القوى. وإذا قيل «فيدرالية» من دون ديمقراطية ومساءلة وحقوق للمكونات داخل الأقاليم نفسها، فقد تتحول إلى سلطة محلية مغلقة. لذلك يجب أن يُقاس الحل لا باسمه، بل بما يمنحه من ضمانات فعلية.

أي حل كردي ـ سوري جدي يجب أن يتضمن، في الحد الأدنى، اعترافًا دستوريًا صريحًا بالكرد بوصفهم مكوّنًا قوميًّا أصيلًا في سوريا. لا يكفي القول إنهم مواطنون. المواطنة ضرورية، لكنها لا تعالج وحدها تاريخ الإنكار. يجب أن يعترف الدستور بأن سوريا ليست كتلة قومية أو دينية واحدة، بل وطن متعدد، وأن الكرد جزء مؤسس من هذا التعدد.

ويجب أن تكون اللغة الكردية محمية دستوريًا، لا مسموحًا بها فقط. الفرق كبير بين السماح والحماية. السماح قد يتغير بقرار إداري أو مزاج سياسي. أما الحماية الدستورية فتعني حق التعليم والإدارة والثقافة والإعلام والفضاء العام، ضمن المناطق التي يشكل فيها الكرد حضورًا تاريخيًا واجتماعيًا واضحًا. اللغة ليست زينة ثقافية، بل ذاكرة جماعية وشرط من شروط الكرامة.

ويجب أن تكون هناك صيغة واضحة للإدارة الذاتية أو اللامركزية السياسية، تضمن انتخاب المؤسسات المحلية والإقليمية بحرية، وتمنحها صلاحيات فعلية في التعليم والثقافة والتنمية والصحة والإدارة والشرطة المحلية، وبعض جوانب إدارة الموارد ضمن نظام وطني عادل وشفاف. من دون صلاحيات حقيقية، تتحول اللامركزية إلى واجهة. ومن دون ارتباط دستوري، تتحول الإدارة الذاتية إلى منحة قابلة للسحب.

كما يجب أن يُعاد التفكير في الأمن. فواحدة من أعقد القضايا هي مصير القوات المحلية وقسد وبقية البنى العسكرية الكردية، بما في ذلك بيشمركة روجآفا الموجودة في إقليم كردستان العراق. لا يمكن أن تبقى جيوش متعددة خارج الدولة إلى الأبد، لكن لا يمكن أيضًا تفكيك القوة المحلية الكردية بالكامل وإعادة المنطقة إلى أجهزة مركزية لا يثق بها السكان. وبالمثل، لا يجوز اختزال القوة العسكرية الكردية في قسد وحدها.

فبيشمركة روجآفا، بوصفها قوة كردية سورية صرفة، مدربة ومنظمة، وشاركت في الحرب ضد داعش، لا يجوز أن تُستبعد من أي ترتيبات أمنية كردية ـ سورية عادلة. ويجب أن تُبحث عودتها المنظمة ضمن إطار وطني واضح، لا كقوة حزبية موازية، بل كجزء من منظومة أمنية انتقالية تعترف بالتعدد الكردي وتمنع احتكار السلاح والقرار من طرف واحد.

الحل الممكن هو ترتيبات أمنية انتقالية: دمج تدريجي، ضمانات محلية، تمثيل عادل للكرد والمكونات الأخرى في الجيش والأمن، وشرطة محلية خاضعة لمؤسسات محلية شرعية، وعودة منظمة لبيشمركة روجآفا ضمن إطار دفاعي محلي أو وطني متفق عليه، مع إشراف دستوري واضح يمنع تحول الأمن إلى أداة انتقام أو إخضاع أو احتكار حزبي. بهذه الصيغة، لا يكون الأمن عودة إلى مركز أمني قديم، ولا استمرارًا لسلطة عسكرية واحدة، بل جزءًا من عقد سياسي جديد يربط السلاح بالشرعية والتمثيل والمساءلة.

وتبقى قضية عفرين وسري كانيه وكري سبي اختبارًا لا يمكن تجاوزه. فلا معنى لأي حديث عن حل كردي ـ سوري إذا لم يتضمن حق المهجرين في العودة الآمنة والكريمة إلى بيوتهم، ورفض التغيير الديمغرافي، ومحاسبة الانتهاكات، وإعادة الممتلكات، وضمان حماية السكان من الانتقام والابتزاز والفوضى المسلحة. هذه ليست قضايا إنسانية منفصلة عن السياسة، بل جزء من جوهر الحل. فالشعب الذي يُطلب منه الثقة بدولة جديدة يجب أن يرى أولًا أن هذه الدولة قادرة على حماية بيته وذاكرته وكرامته.

لكن الحل لا يمكن أن يكون كرديًا مغلقًا. فالمناطق الكردية نفسها ليست فضاءً أحاديًا، وسوريا كلها ليست بلدًا ذا مكوّن واحد. لذلك فإن أي صيغة فيدرالية أو حكم ذاتي أو لامركزية سياسية يجب أن تراعي العرب والسريان والآشوريين والأرمن والتركمان وبقية المكونات في المناطق المعنية. لا يجوز أن يتحول الاعتراف بالكرد إلى إنكار لغيرهم. التجربة التي تطالب المركز السوري بالاعتراف بالتعدد يجب أن تمارس هذا الاعتراف داخل مناطقها أيضًا.

وهنا لا بد من التمييز بين الجغرافيا الكردية السورية، أو المناطق ذات الحضور الكردي التاريخي، وبين مناطق عربية خالصة دخلتها قسد في سياق الحرب على داعش وبتشجيع أو رغبة أمريكية. لا يعني هذا إنكار تعقيدات الحرب ضد داعش، ولا التقليل من تضحيات من شاركوا فيها، بل يعني ضرورة عدم تحميل القضية الكردية أعباء وظيفة عسكرية فرضتها ظروف دولية مؤقتة. فقد ساهم هذا التمدد، رغم وظيفته العسكرية في تلك اللحظة، في تشويش صورة القضية الكردية، ومنح خصومها فرصة للقول إن المسألة لم تعد حقوق شعب مضطهد، بل توسع قوة عسكرية خارج بيئتها القومية.

كما أضر ذلك بالعلاقة العربية ـ الكردية في سوريا، لأنه وضع الكرد، في نظر قطاعات عربية واسعة، في موقع القوة المسيطرة لا في موقع الشريك الباحث عن الاعتراف. لذلك فإن أي حل كردي ـ سوري جدي يجب أن يحرر القضية الكردية من أعباء تلك الوظيفة العسكرية، وأن يميز بوضوح بين حق الكرد في مناطقهم التاريخية، وبين إدارة مناطق عربية لا ينبغي أن تُحسب على المشروع القومي الكردي.

هذه نقطة جوهرية. فلا يمكن للكرد أن يطالبوا بدولة سورية متعددة، ثم يقبلوا بسلطة محلية لا تعترف بتعدد المجتمع داخلها. ولا يمكن رفض مركزية دمشق مع إعادة إنتاج مركزية محلية باسم القضية الكردية. لذلك فإن الحل الكردي ـ السوري يجب أن يكون ديمقراطيًا في الداخل بقدر ما هو تعددي في مواجهة المركز. الاعتراف لا يتجزأ.

من هذه الزاوية، تبدو الفيدرالية أو الحكم الذاتي أو اللامركزية السياسية الحقيقية حلًا سوريًا لا كرديًا فقط. فهي يمكن أن تطمئن الدروز في السويداء، وتمنح العلويين في الساحل ضمانات سياسية واجتماعية، وتتيح للمناطق السورية المختلفة إدارة شؤونها، وتخفف خوف المكونات، وتعيد توزيع السلطة والثروة، وتمنع عودة الدولة الأمنية الواحدة. إنها ليست وصفة لتقسيم سوريا، بل محاولة لإخراجها من منطق الغلبة.

أما الخوف من الفيدرالية، فهو مفهوم جزئيًا، بحكم العقلية السائدة، لكنه مُستغل سياسيًا إلى حد بعيد. فأنصار المركزية يصورون كل توزيع للسلطة كأنه خطوة نحو التقسيم. لكن التجربة السورية نفسها أثبتت أن المركزية لم تمنع التقسيم الفعلي، بل ساهمت فيه. حين تحتكر الدولة القرار، وتمنع المشاركة، وتلغي الهويات، فإنها لا تصنع وحدة، بل تصنع انفجارات مؤجلة. الوحدة التي لا تحتمل التعدد ليست وحدة، بل هدنة قسرية.

الفيدرالية، إذا صيغت ديمقراطيًا، يمكن أن تكون عكس التقسيم. لأنها تقول للمكونات: لستم مضطرين إلى البحث عن حماية خارج الدولة، لأن الدولة نفسها تعترف بكم. وتقول للمركز: لن تفقد الدولة وحدتها إذا تقاسمت السلطة، بل ستفقدها إذا أصرت على احتكارها. وتقول للكرد: حقوقكم لا تحتاج إلى حرب دائمة أو حماية مؤقتة، بل إلى عقد دستوري واضح.

مع ذلك، لا ينبغي تحويل الفيدرالية إلى شعار يسبق شروطه. فالمشكلة ليست في الفيدرالية كفكرة، بل في طريقة طرحها. أحيانًا تنتقل السياسة الكردية من شعار إلى آخر قبل أن تبني أدواته: تمثيلًا موحدًا نسبيًا، وثيقة دستورية واضحة، تحالفات سورية، خطابًا يطمئن المكونات الأخرى، وقوة تفاوضية قادرة على تحويل المطلب إلى مسار سياسي. الفيدرالية ليست كلمة تُرفع في وجه المركز فقط، بل مشروع يحتاج إلى إعداد: من يمثل الكرد في التفاوض؟ ما حدود الإقليم أو الصلاحيات؟ كيف تُحمى حقوق غير الكرد داخل المناطق المعنية؟ كيف تُدار الموارد؟ ما العلاقة بين الأمن المحلي والجيش الوطني؟ وما الضمانات التي تمنع تحويل الفيدرالية نفسها إلى سلطة محلية مغلقة؟

لذلك، فإن الدفاع عن الفيدرالية لا يعني الاكتفاء بتكرارها كشعار، بل يعني بناء شروطها السياسية والقانونية والاجتماعية. فإذا طُرحت الفيدرالية بلا تمثيل كردي واسع، وبلا خطاب سوري جامع، وبلا فصل واضح بين القضية الكردية السورية وأجندات التنظيمات العابرة للحدود، فسيسهل على خصومها عزلها وتشويهها. أما إذا طُرحت بوصفها صيغة دستورية لإنقاذ سوريا من المركزية، وضمانة للكرد ولغيرهم، فإنها تتحول من مطلب قابل للتخويف إلى مشروع قابل للنقاش.

لذلك فإن الطريق إلى الفيدرالية، أو إلى أي صيغة قريبة منها، يبدأ بما ناقشته الحلقة الرابعة: بناء تمثيل كردي أوسع. لا يمكن التفاوض على شكل الدولة من دون طرف كردي يملك تفويضًا معقولًا. ولا يمكن تقديم مشروع فيدرالي مقنع إذا ظل الكرد منقسمين بين قوة عسكرية بلا تفويض كامل، ومجلس سياسي بلا أدوات كافية، ومبادرات مشتتة بلا إطار جامع.

لكن التمثيل وحده لا يكفي. يحتاج الكرد أيضًا إلى خطاب سوري أوسع. فإذا بقيت الفيدرالية تُطرح كحل للكرد وحدهم، فسيُسهل عزلها وتشويهها. أما إذا طُرحت كحل لسوريا المركبة، وكجزء من عقد وطني جديد يحمي الجميع من عودة المركزية الأمنية، فإنها تصبح أكثر قابلية للنقاش. يجب أن تُشرح الفيدرالية للمكونات السورية الأخرى لا بوصفها تهديدًا لها، بل بوصفها ضمانة ضد حكم المركز الواحد.

ولكي يتحول هذا الخطاب إلى قوة سياسية، لا بد من بناء تحالفات سورية حول فكرة اللامركزية السياسية. فالكرد وحدهم لا يستطيعون فرض عقد جديد على سوريا، كما أن المكونات الأخرى لا تستطيع حماية نفسها إذا بقيت كل واحدة منها تفاوض المركز منفردة. المطلوب حوار صريح مع السريان والآشوريين والأرمن والتركمان، ومع الدروز والعلويين، ومع القوى الديمقراطية العربية التي تخشى عودة الدولة الأمنية، ومع كل من يرى أن سوريا لا يمكن أن تُحكم بعد الآن بمنطق المركز الواحد. السؤال المشترك يجب أن يكون: كيف نبني دولة لا يبتلع فيها المركز أحدًا؟

كما يحتاج هذا المشروع إلى لغة سياسية جديدة. لا لغة المنتصر، ولا لغة الضحية وحدها، ولا لغة الأمر الواقع. المطلوب خطاب يقول بوضوح: الكرد لا يريدون تقسيم سوريا، ولا يريدون حكم غيرهم، ولا يريدون تحويل مناطقهم إلى قاعدة لأي مشروع عابر للحدود. يريدون أن يكونوا شركاء في دولة تعترف بهم، وتحمي لغتهم، وتضمن إدارتهم لشؤونهم، وتمنع عودة السياسات التي أنكرتهم لعقود.

في المقابل، على دمشق الجديدة أن تدرك أن الإدماج الإداري ليس حلًا. دمج الموظفين لا يحل القضية. دمج القوات لا يحل القضية. رفع العلم فوق المعابر لا يحل القضية. إعادة فتح الوزارات لا تحل القضية. كل هذه الإجراءات قد تكون جزءًا من حل، لكنها لا تصبح حلًا إلا إذا جاءت داخل عقد سياسي يعترف بأسباب الأزمة. أما إذا قُدمت كبديل عن الاعتراف، فستكون مجرد عودة مؤجلة للصراع.

الدولة التي تريد أن تكون جديدة يجب أن تفهم أن السيادة ليست امتلاك الأرض فقط، بل بناء الرضا داخلها. والسيادة التي لا تعترف بسكانها تتحول إلى سيطرة. والسيطرة، مهما بدت قوية، لا تصنع استقرارًا طويلًا. هذا ما تعلمه السوريون خلال أكثر من نصف قرن، وهذا ما يجب ألا يُنسى في لحظة إعادة بناء الدولة.

ولذلك، فإن الحل الكردي ـ السوري الممكن لا يبدأ من سؤال: ماذا تتنازل قسد؟ ولا من سؤال: كيف تستعيد دمشق السيطرة؟ ولا من سؤال: ماذا تريد تركيا أو الولايات المتحدة؟ يبدأ من سؤال مختلف: ما شكل الدولة الذي يجعل الكرد، ومعهم بقية المكونات، يشعرون أنهم داخل سوريا لا تحتها؟

هذا السؤال هو قلب الحل. فإذا كانت سوريا وطنًا مشتركًا، فيجب أن يكون تعريفها مشتركًا. وإذا كانت الدولة لجميع مواطنيها، فيجب أن تكون مؤسساتها قابلة لأن تعكس تعددهم. وإذا كانت الوحدة هدفًا حقيقيًا، فيجب ألا تقوم على خوف المكونات من بعضها، بل على ضمانات تجعل الانفصال عن الدولة أقل جاذبية من البقاء فيها.

من هنا، يمكن تلخيص البديل في صيغة متدرجة لا تنغلق على اسم واحد: فيدرالية ديمقراطية إذا توفرت الشروط؛ حكم ذاتي مرحلي مضمون دستوريًا إذا تعذر الاتفاق على الفيدرالية فورًا؛ أو لامركزية سياسية حقيقية بصلاحيات واضحة إذا كانت تلك الصيغة مدخلًا عمليًا لبناء الثقة. لكن في كل الحالات، يجب رفض الإدماج الإداري بوصفه بديلًا عن الحل السياسي.

فالفرق بين اللامركزية والإدماج كبير. اللامركزية تعني أن تملك المجتمعات المحلية حق إدارة جزء من حياتها العامة. أما الإدماج فيعني أن يستعيد المركز المؤسسات ثم يطلب من الجميع العمل تحت سقفه. الحكم الذاتي يعني ضمانات قانونية وسياسية لمجتمع له خصوصية. أما الإدارة المحلية المحدودة فتعني غالبًا تفويضًا قابلًا للسحب. الفيدرالية تعني تقاسمًا دستوريًا للسلطة. أما المركزية المخففة فتعني مركزًا يبتسم أكثر لكنه يحتفظ بالقرار.

لذلك، إذا كان على الكرد أن يقبلوا بالعودة إلى الدولة، فعلى الدولة أن تقبل بالعودة إلى العقد. وإذا كان على قسد أن تتحول من قوة عسكرية إلى جزء من منظومة وطنية، فعلى هذه المنظومة أن تتغير هي أيضًا. وإذا كان على الإدارة الذاتية أن تراجع أخطاءها، فعلى دمشق أن تراجع تاريخ الدولة التي أنكرت الكرد. لا يمكن أن يطلب طرف واحد من الآخر أن يتغير، بينما يبقى هو كما كان.

وقد يكون الحل الواقعي في المرحلة الأولى اتفاقًا انتقاليًا واضحًا: وقف التصعيد العسكري، ضمان استمرار الخدمات، حماية اللغة والتعليم، ترتيبات أمنية محلية، إشراك كل القوى الكردية والمكونات المحلية في التفاوض، وفتح مسار دستوري خلال فترة زمنية محددة. لكن هذا الاتفاق الانتقالي يجب ألا يتحول إلى قبر سياسي للقضية الكردية. يجب أن يكون جسرًا إلى الاعتراف، لا طريقًا إلى النسيان.

ولكي لا يبقى هذا الاتفاق الانتقالي فكرة عامة، يجب أن يتضمن جدولًا سياسيًا واضحًا لا يقل أهمية عن الترتيبات الأمنية. يبدأ ذلك بمرحلة تهدئة وضمان خدمات، ثم ينتقل إلى حوار كردي ـ سوري أوسع، ثم إلى مسار دستوري محدد المدة. في هذه المراحل، لا يجوز أن يكون دمج المؤسسات أو القوات سابقًا على الضمانات كلها، بل متوازيًا معها: كل خطوة إدارية أو أمنية يجب أن تقابلها خطوة سياسية ودستورية واضحة. فالتدرج ضروري، لكن التدرج بلا ضمانات يتحول إلى استنزاف، ثم إلى أمر واقع جديد.

إن أسوأ ما يمكن أن يحدث هو أن تُستبدل الأزمة العلنية بتسوية غامضة. أن تُدمج المؤسسات، وتُحل بعض القوى، وتُرفع شعارات الدولة الواحدة، ثم يُترك السؤال القومي معلقًا مرة أخرى. مثل هذه التسوية قد تمنح هدوءًا مؤقتًا، لكنها لن تصنع سلامًا. لأن السلام لا يقوم على إغلاق الملفات، بل على حل أسبابها.

بهذا المعنى، لا يكون الحل في إعلان الفيدرالية غدًا، ولا في التراجع عنها خوفًا من الاتهام بالتقسيم. الحل في تحويلها إلى مشروع سياسي قابل للشرح والتحالف والتدرج: وثيقة حقوق، تمثيل كردي أوسع، حوار مع المكونات، ضمانات دستورية، ترتيبات أمنية انتقالية، ثم صيغة حكم واضحة. من دون هذا المسار، ستبقى الفيدرالية شعارًا كبيرًا، وسيبقى الإدماج الإداري هو الخيار الأسهل أمام المركز.

في النهاية، لا تبحث القضية الكردية في سوريا عن امتياز خاص، بل عن اعتراف عادل. ولا تحتاج سوريا إلى مركز أقوى، بل إلى عقد أذكى. لقد أثبتت التجربة أن الدولة التي تخاف من تعددها تصبح أضعف، لا أقوى. وأن المركز الذي يرفض تقاسم السلطة ينتهي غالبًا إلى فقدان السيطرة عليها. وأن الوحدة التي لا تقوم على الحرية والاعتراف تتحول إلى اسم آخر للإنكار.

الفيدرالية، أو الحكم الذاتي، أو اللامركزية السياسية الحقيقية، ليست حلولًا بلا مخاطر. لكنها أقل خطرًا من العودة إلى مركزية جرّبتها سوريا وانفجرت. وهي أكثر عدلًا من إدماج إداري يريد أن يطوي القضية الكردية دون أن يجيب عنها. وهي أكثر واقعية من انتظار دولة موحدة بالقوة في مجتمع لم تعد القوة قادرة على توحيده.

لقد سقط حكم الأسد، لكن السؤال الذي صنعته الدولة السورية القديمة لم يسقط بعد: هل تكون سوريا دولة مركز يعرّف الجميع، أم وطنًا يعيد الجميع تعريفه معًا؟

القضية الكردية ستظل أحد أهم اختبارات هذا السؤال. فإذا عولجت باعتراف وشراكة وضمانات، فقد تكون مدخلًا إلى سوريا جديدة حقًا. وإذا عولجت بالإدماج والاحتواء وتأجيل الحقوق، فستعود الأزمة، حتى لو تغيّر اسم الحاكم، وتغيرت لغة الدولة، وتغيرت خرائط السيطرة.

لذلك، ليست الفيدرالية تهديدًا لسوريا. التهديد الحقيقي هو أن تعود سوريا إلى منطق الدولة التي لا تتعلم من خرابها.

6 تموز/يوليو 2026

أما الحل، فليس في أن يختفي الكرد داخل الدولة، ولا في أن تنفصل مناطقهم عنها، بل في أن تتغير الدولة بما يكفي كي يجدوا أنفسهم فيها: شعبًا معترفًا به، ومواطنين متساوين، وشركاء في وطن لا يخاف من تعدده.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس هل تحولت سوريا إلى دولة تابعة بواجهة انتقالية؟ ليست خطورة ما جرى في تشكيل مجلس الشعب السوري في أنه مجلس ناقص الشرعية فحسب، بل في أنه يكشف طبيعة النظام الذي يُعاد تركيبه في سوريا تحت اسم “الحكومة الانتقالية”. فالمسألة لم تعد مجرد خلل إجرائي في انتخاب ثلثي الأعضاء، أو تعيين الثلث الأخير من…

دلدار بدرخان دأبت قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي ” PYD ” منذ سنوات على ترسيخ ثلاث سياسات لم تكن آثارها السلبية على الخصوم بقدر ما كانت على القضية الكوردية نفسها . أولاً : تعميق الشرخ بين المكون الكوردي والعربي عبر ممارسات رعناء لا تمت إلى السياسة بصلة ، وأبرز مثال على ذلك حادثة استعراض جثامين مقاتلي الجيش السوري الحر في شوارع…

د. فريد سعدون ما المشكلة إذا استقال سكرتير الحزب وتنحى نهائيا عن القيادة ودعا إلى مؤتمر يتم فيه اختيار سكرتير ولجنة قيادية جديدة … ؟؟؟؟؟ المشكلة أننا رضعنا من ثقافة البعث ٧٠ سنة وترسخت في أذهاننا مقولة: قائدنا إلى الأبد ، والقائد الضرورة والزعيم الأوحد فضح الله سره… أنا الحزب والحزب أنا وليذهب الشعب إلى حديقة الملاهي .. https://www.facebook.com/permalink.php

صلاح بدرالدين آن أوان المراجعة ، وإعادة التعريف ، والبناء كتجربة رائدة في الحركة السياسية الكردية ماتم في الخامس من آب ١٩٦٥ وبعد ثمانية أعوام من ميلاد الحزب الكردي السوري الأول، والانتكاسة العميقة التي واجهها، جرت المحاولة الجادة المدروسة الأولى في الحياة السياسية الكردية، وتمت مراجعة جذرية في الفكر والموقف السياسي، وتشخيص الازمة بصورة علمية واقعية،…