أ. د. سربست نبي
( أستاذ الفلسفة السياسية في جامعة كويه)
تواجه الجماعات البشرية، من كل صنف ولون، عند المنعطفات التاريخية الحادة، أزمات في الوعي الأخلاقي المشترك، وتتجلى تلك الأزمات في الانحراف الحاد عن القيم الجماعية، التي توارثتها أو كانت مألوفة وسائدة، أو أجمع عليها البشر حتى حينها، ويطلق عليها عادة تعبير( الإفلاس الأخلاقي )لدى جماعة ما، أو تنظيم سياسي، أو حتى مجتمع، وهذا لايعدّ مجرد( فساد أخلاقي) في الضمير الفردي، إنما يعبر عن إنفصال شديد للوعي الجمعي عن تلك القيم المشتركة التي خضعت لها الجماعة طوال الوقت، وباتت الآن عقبة كأداة أمام طموح هذا الوعي نحو التكيف مع الوقائع والمتغيرات الناشئة التي يواجها وفرضت نفسها عليه، فيجد نفسه إما مضطراً للتخلي عن تلك القيم ووداعها أو الانفصال عن الواقع المعيوش. هنا تبدأ الأزمة الأخلاقية بالظهور في شكل انسلاخات فردية عن المنظومة الأخلاقية مع نزوع متطرف في البحث الذرائعي عن ما يسمى( بالخلاص الفردي) في ظلّ غياب منظومة أخلاقية جديدة، يصاحب ذلك منطق ذرائعي- تبريري كثيف يسوغ كل إنقلاب على المبادئ والقيم القديمة والتخلص منها بحيث يصبح ما كان يُعد رذيلة فضيلة، وما كان يُعد خيانة يُقدَّم هنا على أنه ضرورة. وهكذا، يكون الإفلاس الأخلاقي نتاج تحول في بنية الوعي والقيم، لا يترتب عليه بالضرورة حلول منظومة قيم إنسانية- أخلاقية أكثر رقياً وتقدماً مباشرة، على العكس من ذلك تفضى حالات الإفلاس الأخلاقي المصاحبة للأزمات التاريخية- الاجتماعية، إلى تدهور قيمي وتفكك مجتمعي وتشظي معياري طويل الأمد، كما حدث ويحدث في عدد من البلدان، التي شهدت نزاعات دموية أثناء احتجاجات الربيع العربي.
سبق للفيلسوف الألماني، ف. هيغل، أن ربط بين نشوء المؤسسات السياسية وتطور البنى الاجتماعية بما كان يصطلح عليها ب( الأخلاق الموضوعية) تمييزاً لها عن( الأخلاق الذاتية) المتعلقة بالضمير الفردي، وهذه الأطروحة تساعدنا كثيراً في تفسير ظاهرة التفكك السريع للقيم الأخلاقية المشتركة في المجتمعات، التي شهدت نزاعاً دموياً ودماراً في المؤسسات، مثل سوريا وليبيا، حيث تنبأ هيغل بأن الأخلاق لا تقوم على النوايا الفردية وحدها، بل تحتاج إلى مؤسسات تجسدها. فإذا فسدت المؤسسات، تضررت الحياة الأخلاقية نفسها. وهذا ما حدث في العراق قبل حقبة سقوط النظام السابق واستمرت لأمد غير قصير بعد السقوط، تزامناً مع تدهور مؤسسات السلطة السابقة واستمرار هذا التدهور مع السلطة الجديدة بمقدار كبير، حيث لايزال الفساد ومنطقه سائدين على نطاق واسع في مؤسسات الدولة العراقية.
تنشأ أزمة الإفلاس الأخلاقي بسبب تضافر عوامل اقتصادية وسياسية ونفسية وثقافية عديدة تتجلى في:
– تعارض المصلحة مع القيم ومن ثم التعارض بين الوسائل والغايات: ينشأ التعارض بين القيم والمصلحة حين يصبح النفوذ والثروة أو السلطة غايات بذاتها، وتتحول القيم إلى مجرد ذرائع للحفاظ على تلك الامتيازات ومبررات للاستئثار بالسلطة. شيئاً فشيئاً يصبح الخداع والكذب واستخدام العنف وسائل لاحتكارها. وتتحول المعايير الأخلاقية والمبادئ إلى وجهات نظر قابلة للشك والطعن فيها وحتى التخلي عنها بسهولة. هنا تبدأ السلطة/ الجماعات بإزالة الحدود الأخلاقية بين الوسائل والغايات النبيلة ولا تكترث بالتعارض الناشئ بينها، فتبرر لنفسها استخدام أشدّ الوسائل اللا أخلاقية وأحطها لتحقيق أهدافها تحت عناوين واهية أخلاقياً كا( لمصلحة العليا). وحينما يتعلق الأمر بمستقبل السلطة ومصالحها يدوس أصحابها كل القيم والمحرمات تحت عنوان حماية( المصلحة العليا)، هنا تتحول القيم إلى مجرد ذريعة للحفاظ على السلطة، حيث سبق أن حذر ف. نيتشه من أن القيم تُستخدم أحياناً كثيرة كأقنعة لإرادة القوة، فتتحول الأخلاق إلى مجرد خطاب يخدم السيطرة. ويعمم سلوك السلطة حالة من الشك العميق وعدم اليقين لدى جمهورها بجدوى الالتزام أو التمسك بالقيم الأخلاقية، وينحرف الأخير إلى وضع يتسم بالعدمية القيمية وتسود العلاقات الفردية الأنانية الرثة والشكوك. وهكذا تبدأ الانهيارات الأخلاقية والإفلاس بالظهور، وعادة ما تكون تراكمية، تحدث ببطئ في قاع العلاقات الاجتماعية، ونادراً ما تظهر بشكل مفاجئ، دفعة واحدة، فهي تبدأ بالمساومات الصغيرة والتنازلات، المتكررة، التدريجية والصامتة، التي لا تلبث أن تصبح عادية ومألوفة بعد أن كانت تثير السخط والاستهجان قبل هذا الوقت.
– الهويات الأيديولوجية المغلقة، عبادة الفرد والتعصب القطيعي: تشكل الهويات الأيديولوجية المغلقة، السياسية، الطائفية- الدينية والقومية منها، هالة مقدسة لحالة الإفلاس الأخلاقي، إذا تمنح أتباعها يقيناً مطلقاً بصواب سلوكهم وصحة أفعالهم، تسلب عنهم القدرة على التفكير النقدي بمواقفهم ومراجعة أخطائهم. وبموازاة ذلك تتلاشى لديهم المحاكمات الأخلاقية القياسية، وتسود ذرائعية كلبية مقيتة. هنا يصبح النقد من أكبر المعاصى والهرطقات، التي قد يقدم عليها التابع لهذه الهويات، ويفسّر الاعتراف بالخطأ في نطاقها بأنه ضعف في الإيمان بعقيدة الجماعة. بهذا المعنى كلما أصبحت العقيدة أو الأيديولوجيا مغلقة على نفسها، قلَّت قدرة أصحابها على مراجعة أخطائهم. النقد يُعدّ خيانة، والاعتراف بالخطأ يُفسَّر ضعفاً. حيث تبدو الجماعة، من وجهة نظر أتباعها، منزهة عن الأخطاء وفوق النقد والشبهات، وأيّ مسّ بقناعات أو سلوك أفرادها يعدّ خطيئة بحق الجماعة برمتها وهي خطيئة لا تغتفر.
ينشأ عن هذا الانغلاق الذاتي داخل نطاق هوية الجماعة، عجز أخلاقي عن الانفتاح على الآخر والتواصل القيمي معه، من هنا تتطور قناعة لدى أتباع هذه الهوية أو تلك، بأن كلّ ما يخدم الجماعة هو هو خير أخلاقياً، وكل ما يتعارض معها هو شرّ وغير أخلاقي بصرف النظر عن اتساقه مع الحقيقة أو العدالة. يترتب على هذا الموقف غياب الثقة الأخلاقية بالآخر وتبرز إزدواجية المعايير الأخلاقية لدى أتباع الهوية الأيديولوجية، معيار لنا ومعيار للآخر، أتباع الهويات الأخرى، الذين يعدّون خصوماً ومنافسين للأنا.
يتفاقم هذا الإفلاس الأخلاقي لدى أتباع الهويات الأيديولوجية والتنظيمات المغلقة في شكل نفاق استعراضي، رث وفارغ، حين يُستقطب هؤلاء حول زعيم( مخلّص ومتفوق) يرهنون وجودهم بوجوده ويستمدّون منه منظومتهم القيمية، ليغدوا معبوداً في نظرهم، يتظللون بظلّه، يستلهمون منه برهان وجودهم ومغزاه. إن أسهل وسيلة لتحويل جمهور ما أو جماعة إلى جمهرة أو حشد فاقد لإرادة التفكير والتقرير الأخلاقي هو جعله يدور في فلك زعيم فرد، رهين تفكيره وخياراته، وخلق اعتقاد لدى هذا الجمهور بأن بقاءه وخلاصه رهن ببقاء وخلاص ذلك الزعيم السوبرمان. تلك هي خلاصة عقيدة عبادة الفرد، المنقذ المخلص، عند الهويات الأيديولوجية، التي تتحول إلى ديانة حقيقية عند أتباعها لها أتباع مؤمنين وإله مخلّص، وأنبياء، وسدنة، وشرّاح عقيدة، ورواة للحديث والسيرة ولاهوتيين يسوغون هذه العبودية.
هكذا يتحول هذا الجمهور، أو أتباع الهويات الأيديولوجية، بسهولة إلى قطيع من الدهماء يفتقر إلى الضمير الأخلاقي الجمعي، الإنساني المشترك، سوى الخوف الفطري والجزع، الذي يوحده كقطيع بشري مذعور من الهويات أو الجماعات الأخرى، ولهذا نجد أتباعه لامبالين وغير مكترثين بمعاناة الضحايا من حولهم، ويعجزون عن إبداء أي تعاطف حقيقي وتضامن مع غيرهم، يختلقون الذرائع والمبررات المجانية لتخاذلهم وصمتهم. وبهذه اللامبالاة وبؤس الضمير لديهم يمهدون الطريق لأنفسهم كي يقادوا إلى المذبح ليغدوا ضحايا بدورهم للجلاد نفسه. هنا يمكننا الحديث عن أزمة الضمير الجمعي، عندما تتكرر الانتهاكات الأخلاقية دون محاسبة، إذ يفقد المجتمع أو التنظيم حساسيته تجاه الظلم والكذب والفساد، ويصبح الضمير الجمعي أقل قدرة على التمييز بين المقبول والمرفوض. بهذا المعنى تحدثت إحدى أهم مفكري هذا العصر عن الإفلاس الأخلاقي، اليهودية هانا أرنديت، عن هذه اللامبالاة الأخلاقية لدى الأفراد والجماعات، حين يحاصر الشرّ الجميع ورأت بأن الكلّ يتحمل مسؤولية الإذعان له، بسبب زخم النفاق والمداهنات، التي ينطوي عليها سلوكهم ولامبالاتهم وعزوفهم عن الشك في سلوك السلطات، كانت أرنديت تقول، الشرّ يصبح أمراً عادياً ومألوفاً عندما يكفّ الناس عن التفكير النقدي في سلوك السلطة ويكتفون بطاعة الأوامر أو اتباع الجماعة والخضوع لها. ففي جميع التنظيمات والجماعات الأيديولوجية المغلقة، يدرك الكثير من الأعضاء أن ما يحدث أو يواجهونه هو خاطئ، لكنهم يلتزمون الصمت خوفاً من العقاب أو الإقصاء، فيتحول الصمت إلى مشاركة غير مباشرة في الخطيئة الأخلاقية.
على هذا المنوال يصنع القطيع البشري من الجماعة المتأدلجة، المستقطبة حول عبادة الفرد المخلّص لتنتهي بتعطيل الضمير الأخلاقي المشترك لديها والشعور بالمسؤولية الأخلاقية، حيث يمضي عبر عملية معقدة للغاية، تبدأ بداية بكسب ثقة الجمهور أو جزء منه بالمطلق، ثم تعطّل لديه إرادة التفكير والتقرير والنقد، ثالثاً تجعله خاضعاً لإملاءات الفرد وتوجيهاته، رابعاً تقنعه بأن من يشكك بتلك الإملاءات هو عدو له ولمصالحة، وأخيراً تحرّضه على الضد من مصيره ومصالحه بإرادته، أي تقوده إلى المذبح وهو مقتنع تماماً بأنه منقاد إلى حفل لتتويجه معبوداً، وهذا هو النموذج الأمثل للعبودية في التاريخ، حيث تنتفي المعايير والقيم الأخلاقية تماماً.
– هشاشة البنى والمؤسسات والأخلاق الموضوعية. كيف نفهم السلوك الأخلاقي للمواطن/ الفرد في المجتمعات أو الدول الديمقراطية، والمبادرات الأخلاقية إزاء الآخرين أو البيئة أو الحيوانات؟ هل هي نابعة من الضمير الأخلاقي الفردي فحسب ؟ أم تتعلق بوجود ثقافة قانونية ومؤسسات تكرّس هذا السلوك الأخلاقي، لدى الفرد والجماعة؟ وهل يمكن الحديث عن نهضة أخلاقية أو إصلاح دون إصلاح في المؤسسات؟ ببساطة شديدة يمكن الإشارة إلى أن المجتمعات التي تنتفي فيها مؤسسات مثل القضاء وما يترتب على ذلك من انتفاء لمبدأي المحاسبة والعدالة، وينتفي فيها الإعلام الحر وما تترتب عليه من حرية مناقشة وشفافية، تكون مؤهلة، بصورة أشدّ من غيرها، للإفلاس الأخلاقي، ففي حال غياب هذه الأخيرة لا يترتب على السلوك المنحرف أيّ ثمن مستحق، وبناء عليه يمكن أن نفهم لماذا تكون التنظيمات السياسية والأيديولوجية الغيتوية- المغلقة، التي تفتقر للشفافية والنقد والمحاسبة أكثر عرضة للانحرافات الأخلاقية والخيانات.
يترتب ماسبق، بالضرورة، على تكريس عبودية الفرد المتسلط وغياب كل دور للمؤسسات السياسية وتهميش للبنى والتنظيمات الاجتماعية والمدنية في الحياة الأخلاقية. من هذا المنظور يمكن أن نفهم تلك العلاقة الوثيقة بين ظاهرة الإفلاس الأخلاقي للجماعات وغياب المؤسسات السياسية والاجتماعية، أو تهميشها، بوصفها علاقة جدلية وديناميكية متبادلة، حيث يغذي كل منهما الآخر. هنا لا تعود المؤسسات مجرد بنى أو هياكل بيروقراطية محايدة، إذ تلعب دوراً فاعلاً وحيّاً في تنظيم السلوك الجماعي وتوجيهه، وما أن يبدأ التدهور في دور المؤسسات ويتراجع حكم القانون حتى تسود الولاءات الشخصية وتهيمن العلاقات الحزبية أو الطائفية أو العشائرية، ويحلّ منطق الولاء محلّ الكفاءة والجدارة، الاعتباطية والمعايير الفردية محل القانون، الذرائعية والانتقائية في المعايير محلّ الاتساق الأخلاقي، وينعدم الشعور المشترك بالمسؤولية اتجاه المصالح العامة، وبموازاة هذا التدهور تبدأ القيم العامة بالتآكل والتراجع فيسود منطق الكذب والخداع والانتهازية، ويغدو استخدام العنف لتحقيق المآرب الشخصية أمراً مألوفاً ومسوغاً. بحيث يصبح المجتمع أقرب مايكون إلى المجتمع الذئبي، الذي وصفه هوبز، بأن الكلّ يصبح فيه عدواً للكل.
هنا بالذات، يبدأ الإفلاس الأخلاقي الجماعي بالانتشار والإعلان عن نفسه في شكل فجّ وفاجر، بالتزامن مع تراجع دور المؤسسات وغياب حكم القانون، واحتكار السلطة في البنى قبل المدنية، الزعامات التقليدية، أو الحزبية، أو الطائفية حيث يسهل استغلالها لأجل المصالح الشخصية.
تعدّ الأخلاق الفردية، المستمدة من الضمير الذاتي، في هذا السياق، بمثابة استعداد طوعي لقبول القواعد العامة للمؤسسات واحترامها حتى في ظلّ غياب الرقابة، إنها، في الوقت نفسه، بمثابة الخميرة المقدسة لأنسنة تلك القواعد، وبالمقابل تستلهم المؤسسات تلك الدوافع الأخلاقية وتتغذى عليها وتنمو، لتشكّل منها منظومة أخلاقية مشتركة تقوّم بها الأخلاق الموضوعية وتفرضها على الجميع عبر منطق القانون والقواعد العامة للسلوك.
ختام القول، يبقى السؤال هو إلى متى تستمر حالة الإفلاس الأخلاقي سائدة؟ وهل بوسع تلك الجماعات البشرية أن تستعيد تماسكها الأخلاقي وتوازنها؟ هذا هو السؤال الذي يطرأ على الذهن مباشرة بعد الإقرار بتلك الحالة. يقدم لنا التاريخ أمثلة كثيرة عن ذلك ويشرح كيف أن جماعة أو مجتمع ما، استعاد توازنه القيمي وانتعش أخلاقياً بعد أن عصف به إفلاس أخلاقي وطغى عليه التفكك القيمي. وتشترك جميع تلك الحالات عادة في أن الصحوة الأخلاقية أعقبت وعيّاً نقدياً لدى تلك المجتمعات بماضيها واعترافاً صريحاً بأخطائها، وبمقدار ما كانت تعي أخطائها السابقة وتعترف بمسؤوليتها كانت نهضتها القيمية والأخلاقية أقوى وأشدّ زخماً. وهذا الأمر يشترط إعادة بناء منظومة القيم وثقافة أخلاقية مجتمعية تكون المبادئ فيها أسمى وأعلى من المصالح الآنية. وبالتالي وضع معايير أخلاقية مستقلة عن المنفعة الذاتية والهويات الأيديولوجية والانتماءات المنافية للحس الإنساني المشترك.
===========