نهاية العلاقة: لماذا يعني مبعوث ترامب الجديد أن ساعة الصفر تقترب من إقليم كردستان العراق

برهان ن. س. جعف
19 يونيو/حزيران 2026

على مدى عقود، نظر قادة إقليم كردستان العراق إلى واشنطن بالطريقة التي ينظر بها طفل إلى أخ أكبر يوفر له الحماية. فمهما بلغت الفوضى في الداخل، كان الأمريكيون يحضرون دائماً حاملين مظلة دبلوماسية ودفعات جديدة من الدعم المالي.

لكن في السياسة، كما في الحياة، نادراً ما يدوم الحب غير المشروط إلى الأبد.

إن الواقع الذي يواجه أربيل اليوم قاسٍ وحاد وتتحكم به الحسابات العملية. ففي ظل إدارة الرئيس Donald Trump، استبدل البيت الأبيض العواطف التقليدية في السياسة الخارجية بمنطق قاعات الأعمال. وحالياً، فإن سجل الحسابات الخاص بكردستان لا يبدو متوازناً في نظر واشنطن.

وقد جاءت إشارة التحذير الأوضح مؤخراً من Victoria Taylor، التي شغلت مناصب منها نائبة مساعد وزير الخارجية لشؤون العراق وإيران، وتشغل حالياً منصب مديرة مبادرة العراق في Atlantic Council. ولم تُخفِ تقييمها للوضع السياسي الكردي خلف عبارات دبلوماسية منمقة، بل وصفت الحرب الكلامية المستمرة بين الحزبين الكرديين الحاكمين، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، بأنها «مخزية» بكل ما للكلمة من معنى.

فعلى مدى سنوات، انشغل هذان الخصمان بالتنافس على السلطة والمال والنفط، على افتراض أن واشنطن ستتدخل دائماً لإنقاذ الموقف. لكن هذا الاقتتال السياسي المستمر حقق نتيجة كارثية: لقد أفقد الأمريكيين اهتمامهم. ومن خلال عجزهم عن التحدث بصوت واحد، نجح القادة الأكراد عملياً في إسكات أنفسهم داخل واشنطن. والنتيجة العملية لذلك هي أن الولايات المتحدة باتت أقل رغبة في الاستمرار بتمويل وتسليح قوات البيشمركة الكردية.

ولزيادة تعقيد الوضع بالنسبة لأربيل، تحوّل اهتمام واشنطن نحو الجنوب. فالبيت الأبيض يضع رهانه حالياً على رئيس الوزراء العراقي الجديد Ali Zaidi. ويعجب الأمريكيين ما يقدمه من وعود بإصلاح الأوضاع، وكبح الميليشيات الخارجة عن السيطرة، وتحقيق الاستقرار في البلاد. والرسالة الموجهة إلى الأكراد واضحة وصريحة: ادعموا خطط الزيدي في مجالي الأمن والنفط، أو استعدوا للخروج من قائمة أولويات ترامب. ففي هذه المرحلة الجديدة، إذا لم تكن جزءاً من إنجاح الصفقة الرئيسية، فأنت مجرد ضجيج في الخلفية.

ولا شيء يجسد هذا الواقع الجديد أكثر من وصول Tom Barrack، المبعوث الخاص الجديد لترامب إلى العراق. فباراك ملياردير ورجل أعمال، وليس دبلوماسياً مهنياً. وهو لا ينظر إلى الخرائط من زاوية التحالفات التاريخية، بل يتعامل معها كما لو كانت جداول حسابية. لقد جاء إلى العراق من أجل تأمين المصالح الاقتصادية والأمنية الأمريكية، لا أكثر.

ولن يأتي باراك إلى المنطقة ليلعب دور الوسيط في الخلافات الكردية الداخلية، كما أنه لا ينوي توزيع مساعدات مالية مفتوحة بلا سقف. لقد انتهى رسمياً عصر «الشيكات على بياض».

ولفترة طويلة، اعتقد القادة الأكراد أن تاريخهم بوصفهم حلفاء أوفياء للغرب يجعلهم طرفاً لا يمكن الاستغناء عنه. لكن المناخ الجيوسياسي قد تغير. وإذا رفضت أربيل طي صفحة الخلافات والعمل بذكاء مع الحكومة الجديدة في بغداد، فإنها قد تجد نفسها معزولة ومكشوفة أمام التحديات ومواجهة لعاصفة سياسية شديدة القتامة. وعندما تقرر في نهاية المطاف الاتصال بواشنطن طلباً للمساعدة، فقد تكتشف أن الخط قد انقطع بالفعل.

الخلاصة

إن واشنطن في عهد ترامب لم تعد تملك وقتاً للولاءات القديمة التي لا تحقق عائداً ملموساً. ومن خلال إرسال رجل أعمال ملياردير إلى العراق ودعم رئيس الوزراء الجديد في بغداد، تكون الولايات المتحدة قد وجهت إلى أربيل تحذيراً أخيراً: أوقفوا خلافاتكم الداخلية الصغيرة وانسجموا مع الحكومة المركزية، أو استعدوا لمواجهة المستقبل بمفردكم تماماً.

ادناه رابط المقال الاصلي:

https://open.substack.com/pub/burhanjaf/p/the-end-of-the-affair-why-trumps?utm_source=share&utm_medium=android&r=5z0gwz

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نظام مير محمدي كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني   على امتداد أكثر من أربعة عقود، جرب المجتمع الدولي مختلف السبل في التعامل مع النظام الإيراني، من الحوار إلى المفاوضات، ومن العقوبات إلى الضغوط السياسية، ولكنه لم ينجح في الوصول إلى حل جذري يضع حداً للأزمة التي باتت تلقي بظلالها على أمن المنطقة واستقرارها. والأسوأ من ذلك أن…

م. أحمد زيبار بعد الحرب العالمية الأولى، وما رافقها من تقسيم للمنطقة وتجزئة كردستان، أصبح جزء من الشعب الكردي ضمن الدولة السورية الحديثة، التي مضى على قيامها أكثر من قرن. ومع مرور السنوات، وبفعل سياسات التهميش والتمييز وغياب الإنصاف تجاه الكرد، تبلورت لديهم قضية قومية وحقوقية، وبدأت معها محاولات تنظيم الصفوف والدفاع عن حقوقهم المشروعة. وفي عام 1957،…

صلاح بدرالدين صدر عن دار نشر – نينوى – بدمشق الأجزاء الاحدى عشرة من مذكراتي تحت عنوان ” الحركة الوطنية الكردية السورية ” إضافة الى كتاب ” الكرد في الثورة السورية ” . وبهذا الإصدار الجديد ستبلغ مؤلفاتي – ٢٩ – كتابا منذ عام ١٩٧٤ وحتى الان أي في غضون خمسين عاما ، بمعدل كتاب كل عامين ، وفي مايلي…

نجاح هيفو لم يعد أخطر ما فعلته التكنولوجيا أنها قرّبت المسافات بين البشر، بل أنها جعلت حياة الإنسان نفسها قابلة للتحول إلى سلعة. قبل أيام، وجدت نفسي أمام مشهد من المشاهد التي تبدو في ظاهرها عابرة: اهتمام جماهيري واسع بقصة طلاق شوق، وما رافقها من تداول وتفاعل ومتابعة وتفاصيل شخصية. ليس المقصود هنا محاكمة شوق، ولا الدفاع عن طرف ضد…