من حلم الإقليم إلى فتات التعيينات في دوائر الدولة

سمكو عمر لعلي

لقد كان الحلم يوماً أن يقوم إقليمٌ كورديٌّ مستقلٌّ في غرب كوردستان، يحمل تطلعات شعبٍ قدّم التضحيات جيلاً بعد جيل، وسعى إلى نيل حقوقه القومية والسياسية والثقافية ضمن مشروعٍ يضمن الكرامة والعدالة والشراكة الحقيقية. غير أن ما آلت إليه الأحوال، في نظر كثيرين، لم يكن بمستوى تلك الآمال التي رافقت عقوداً طويلة من النضال والتضحيات.
فبدل أن تُترجم التضحيات إلى مؤسساتٍ راسخة وإرادةٍ شعبية تُعبَّر عنها عبر صناديق الاقتراع، برزت مظاهر التعيين في مواقع الدولة، وتعيين ممثلين ونواب في مجلس الشعب، وهو أعلى سلطة تشريعية، دون المرور بمسارٍ انتخابي يعكس الإرادة الشعبية بصورةٍ مباشرة. ومع مرور الزمن، بدأت تتشكل لدى الناس مشاعر خيبةٍ وأسئلةٌ مؤلمة حول المسافة التي تفصل بين الأحلام الأولى والواقع القائم.
أما الثمن الذي دفعه الشعب، فلم يكن بسيطاً ولا عابراً؛ إذ تحولت مدن وبلدات عديدة إلى شواهد صامتة على حجم الفقد والتضحيات. فمن ديرك إلى تربه سبي، ومن قامشلو إلى سري كانيه، ومن عاموده إلى كوباني، ومن گري سبي إلى عفرين، امتلأت الأرض بحدائق الشهداء والمقابر التي تحمل أسماء من رحلوا وهم يؤمنون بمستقبلٍ أفضل لأهلهم وأرضهم.ما عدا المفقودين
لكن المؤلم، في نظر المنتقدين لهذا الواقع، أن النتائج النهائية لم ترتقِ إلى مستوى تلك الدماء والتضحيات؛ إذ تحوّل التنافس، في بعض الأحيان، من التنافس على بناء المؤسسات وخدمة المجتمع إلى التنافس على التعيينات في دوائر الدولة والمواقع الحزبية، والسعي إلى تأمين المناصب والامتيازات، ووصل الأمر – وفق هذا التصور – إلى التنافس على تعيين الأبناء والأقارب في السفارات والقنصليات والمواقع الإدارية.
وهكذا وجد جزءٌ من المجتمع نفسه أمام مفارقةٍ قاسية بين خطاب التضحيات وواقع المحاصصة والمصالح الضيقة، وبين أحلام التحرر الكبرى وتفاصيل النفوذ اليومي. وبين هذا وذاك، بقي الشعب البسيط يحمل أعباء الانتظار، ويترقب أن تتحول التضحيات إلى مشروعٍ وطنيٍّ جامع يضمن العدالة والتمثيل الحقيقي والكرامة للجميع.
ولله في خلقه شؤون، والله المستعان على حال هذا الشعب الذي أنهكته التحولات، وما زال يتطلع إلى مستقبلٍ أكثر إنصافاً ووفاءً لتضحيات أبنائه.
فوالله، لو طُلب بعض ذلك من النظام المخلوع الهارب، لَدُفِعَت الأثمان مضاعفةً دون إراقة قطرة دم واحدة.
مع العلم أن كثيرين من قادة الأحزاب تقاسموا الأدوار وتباهوا عبر وسائل الإعلام بعدم الذهاب إلى دمشق للمطالبة بحقوق الكورد من النظام المخلوع.

كوردستان – هولير 21/5/2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبداللطيف محمد أمين موسى تُشير كافة التقارير والأبحاث والدراسات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي والقومي، الصادرة عن أهم مراكز الأبحاث والدراسات وخبرائها، إلى إمكانية عودة التصعيد الشامل، وبصورة أكبر وأكثر تأثيراً، إلى المنطقة. كما تؤكد أن هذا التصعيد سيختلف عن حرب 12 يوماً وحرب 28 فبراير من حيث التأثير على أمن المنطقة وأمن الطاقة، بسبب تعقيدات هذه الأزمة، ولاسيما الأبعاد…

فيصل اسماعيل على امتداد العقود الماضية، لم تكن العلاقة بين الكرد وبعض عشائر الجوار العربية مجرد خلافات عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة، بل مرت بمحطات تركت جراحًا عميقة في ذاكرة أبناء المنطقة. فمنذ تطبيق مشروع الحزام العربي، مرورًا بأحداث قامشلو عام 2004، ثم سنوات الحرب السورية، تراكمت أحداث ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين الجيران، ودفعت ثمنها جميع المكونات دون…

يتابع منتدى الكلمة الحرة بقلق بالغ الدعوات إلى إقامة خيمة حرب في بلدة الميلبية جنوب محافظة الحسكة، ويؤكد أن مثل هذه الخطوات لا تخدم مصلحة الوطن، بل تعيد إنتاج خطاب الصراع والانقسام في وقت يحتاج فيه السوريون إلى ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش. لقد أنهكت سنوات الحرب أبناء سوريا جميعًا، وخلفت مآسي إنسانية وخسائر كبيرة، ولم يعد هناك ما يبرر العودة…

كفاح محمود في الطب، لا تُعد الحمى مرضًا بحد ذاتها، بل رسالة يبعثها الجسد ليقول إن شيئًا غير طبيعي يحدث في داخله، إنها إنذار مبكر، يعلن أن معركة تدور بين جهاز المناعة وسبب خفي، قد يكون فيروسًا أو بكتيريا أو التهابًا، لذلك لا ينشغل الطبيب بخفض الحرارة وحده، بل يبحث أولًا عن مصدرها، لأن اختفاء الحمى لا يعني دائمًا زوال…