زيارة إلى تل أفندي عبر شاشة هاتف

إبراهيم اليوسف

استيقظت، صباح اليوم، على مكالمة- فيديو واتس- من شقيقي: محمد، وهو في قرية: تل أفندي، بعد أن صعد التل الذي بات يتضاءل، ويشيخ، و ينيخ، كما جمل لأهليه، مدركاً أن كثيرين ممن ولدوا في هذا المكان، إما أنهم باتوا في حضنه، كما شخصيات عزيزة، من أهل القرية، ومن بينهم: شقيق لي وشقيقة وابن عم، هم: عبدالعزيز- شقيق حفيظ- وشقيقاي: فائق ومنور. أراني محمد سطح التل، من جهاته: ما من محط طائر، إلا ووطأته قدماي، ونصبت هناك، فخاخي، أو وشهدت رميات حصى” نقيفتي”. هنا اصطدت أرنباً برياً، ركضاً وراءه، في يوم ربيعي ممطر، عندما كان أبي قد حج إلى بيت الله، للمرة الأولى في العام 1970، فانتشر الخبر، كأنني اصطدت جملاً، أو فرساً، أو نلت جائزة كبرى، فراح من كانوا يراقبونني يتحدثون عن ذلك، بعد أن تعب بعض من كانوا يلاحقونه: كباراً وصغاراً، فذبحه لي أخي في الرضاعة: المرحوم شيخموس سليمان موسى، بسكينه التي كان يحملها، كي يتقاسم لحمها أفراد أكثر من أسرة، ومعلم القرية. ابن الساحل: محمد مبارك، بعد أن وزعت أمي صحوناً منه، على هؤلاء، وهو مازلت أسأل: كيف تم ذلك؟!

طلبت منهما أن يديرا عدسة الهاتف على الجهات كلها: البشيرية. صارنج- الشريفية. خربة زركان- راغو- القوس. شيخ أمين. أكثر تلك القرى لم يبق منها إلا الأطلال وبعض الأبناء أو الأحفاد الذين يحرسون رائحة الماضي. تذكرت موقع المدرسة التي تخرج فيها المئات، ومنهم من أصبحوا مربين، مهندسين، كتاباً، وجوهاً بارزة، نفتخر بهم جميعاً، وقد تناولت أسماءهم في كتابي” ممحاة المسافة 2016، ولعلني-هنا- أعيد شذرات من طيف ذلك الكتاب، لولا حدثين تما، وهو رحيل اثنين درسا في القرية ذاتها خلال يوم واحد وهما: سعد محمد حاج حسن يوسف وحسين يوسف، ولي مع كل منهما  بقايا قصة أو قصص، وإن انقطع تواصلي بهما منذ 1973:

فقد توفي صباح أمس المربي سعد يوسف ابن قرية” خربة زركان” والذي كان عريف المدرسة. كان في الصف السادس وكنت في الصف الأول. كما توفي اليوم السابق عليه: حسين يونس ابن قرية” القوس”، واسما كليهما في كتاب مذكراتي المذكور ذاك. لقد قرأت خبر رحيل المربي- سعد- الذي كتبت عن والده، وبعض أفراد أسرته في أكثر من كتاب لي، فقد عرفت أسرتهم بالاهتمام بالدراسة، وكان يقال: محمد حاج حسن يوسف من عداد الأكثر اهتماماً بدراسة أبنائه، متحسراً، على عدم مقدرته متابعة- العلم- في زمنه!

عرف الشقيقان: سعد وسعيد بأنهما كانا متفوقين، لدرجة أنهما مع المربي المرحوم- وشقيقيَ في الرضاعة سليمان حمزة ملي وعبدالعزيز سلفيج، وعثمان ملي كانوا من يعيدون علينا الدروس، إضافة إلى المربي عزالدين يوسف، إذ كان المعلم، في مدرسة- الصف الواحد- يختص بتعليم دروس طلاب السادس، ومن ثم الخامس، تاركاً مهمة تعليمنا- غالباً- لتلاميذ أكبر منا، وإن كنت قد تعلمت القراءة والكتابة، قبل دخولي المدرسة، لتعلمي قراءة القرآن الكريم، واستظهاري سور” جزء عم” وغيرها، على يدي أبي، بينما لم نلتق أول مرب في القرية: إبراهيم سلفيج، على مقاعد المدرسة.

ما كان يروى عن- سعد- أنه نال علامات عالية، في الفرع العلمي، وعندما توجه إلى مديرية التربية ليسجل في معهد إعداد المدرسين، اعترض المسؤول التربوي: عبدالعزيز طعمة، على تسجيله، قائلاً: علاماتك عالية، ليأت والدك، وأقنعه، بذلك، غير أن سعداً كان يعرف أن ظروفه لا تسمح له بدراسة الجامعة التي راح يستكمل حلمه في دراستها- في قسم الفلسفة- بعد تخرجه في المعهد، وممارسته التعليم، وتحسن ظروفه.

أفراد أسرة سعد جميعاً، كانوا متفوقين: سعيد الزميل الكاتب. عبيد المهندس. زبير الفنان التشكيلي. طلحت، بيد أني لم ألتق ببقية أفراد الأسرة، بسبب مغادرتنا القرية، كما لا أتذكر- كثيراً- لقائي بسعد وسعيد، بعد العام 1973، لانشغال كل منا بالتعلم، أو التعليم، وانتقالي من المدينة التي شهدت دراستنا الإعدادية، إلى مدينة أخرى، هي: قامشلي. كما أنني تناولت في كتابي السيروي ذكرى عن والدهم العم محمد حاج حسن الذي كان يأتي من قريته إلى-تل أفندي- كلما أراد السفر إلى الحسكة، أو عاد منها، لأن أكثر من باص كان يمر في القرية- شفيق إبراهيم الأقصوارني- ناصيف- أحمد إينكي- أحمد عرب الذي عمل عليه كل من: أبوعلي الذي احترق في سجن الحسكة عام1991 و الشيخ محمد القادري- الحاج مصطي ماردلي…

قبل دخول سعد الغيبوبة، بيوم أو يومين- أي في السبت الماضي- قبل خمسة أيام من وفاته، التقيت في مجلس عزاء في- دورتموند- المهندس:عمر حسن-ابن طوبو- وسألته عن حميه أ.سعد، فقال لي: كان يكلمنا هاتفياً ليلة أمس، وهو بخير، بعد أن غادرت المجلس، قلت في نفسي: لم لم أطلب رقم هاتف حميه، وفاء، وشوقاً، وتقديراً.

كما فاجأني أخي محمد، بمكالمة فيديو، من قرية- القوس- ليظهر عبدالرزاق خلف، شقيق عبدالحميد الذي أعدم في الجيش السوري، بتهمة قتل- ضابطه- كما رواه لنا والده الحاج خلف، عندما زارنا في – قامشلي- بعد ذلك، مع العم حاج سليمان عيسى- المللي. عادت بي الذاكرة إلى تلك الأيام التي كان أبناء القرى المجاورة، المذكورة، يتوجهون إلى مدرسة- تل أفندي- أفواجاً، متحدين ظروف الطبيعة: برد ومطر وثلج الشتاء وحر وغبار الصيف، في دروب ترابية، تغوص أقدام هؤلاء التلاميذ الصغار، في أطيانها، وهم يرتعشون برداً، مدثرين بأسمالهم المبللة. سألت عبدالرزاق عن حسين يونس، زميلي في الابتدائية، والذي سكنت معه في غرفة واحدة، قرب مقهى ختو- في الناصرة، قبل أن أنتقل منها إلى غرفة أخرى، في بيت- أنيس- صاحب مطحنة- تل حجر- لأن شقيقه وزوجته جاءا ليشاركانا السكن، على حين غرة، من دون سابق اتفاق.  قال:

توفي أول أمس، الأربعاء!

تألمت لرحيل حسين، وثمة ذكريات مشتركة بيننا على امتداد ست سنوات من الدراسة، منها إيصال معلمنا إبراهيم آلوجي إلى صفيا، وتناولنا- الحلاوة وخبز الصاج- اللذين اشتراهما لنا أستاذنا، لنعود معاً إلى قريتينا: القوس ومن ثم تل أفندي، مستغرباً: كيف أنني في سن الثانية عشرة  استطعت أن أؤدي مهمة، اجتياز مسافة بضع عشرة كيلومتراً، ذهاباً وإياباً، بعد مطر ليلة أمس، لحمل حقائب معلمنا، رفقة حسين، بوساطة دابتين، وأن أعود ليلاً إلى بيتي في القرية. 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د . مرشد اليوسف في الخامس عشر من أيار من كل عام، يحتفل الكرد حول العالم بيوم لغتهم . و لكن هذا الاحتفال في السياق السوري المتعدد الأطياف لا يمكن فصله عن الأسئلة الكبرى التي تتعلق بالمواطنة والاعتراف والتعددية. والسؤال : هل اللغة الكردية قضية خاصة بالكرد فقط، أم أنها جزء من النسيج السوري المتنوع الذي يحتاج إلى الحماية والتقدير؟…

كفاح محمود في لحظة صادقة وفجّة، سُئل مسؤولٌ في حزب ديني: من معكم؟ فأجاب مطمئنًا: “فقط الله”، هذه الجملة لا تفضح صاحبها وحده، بل تفضح منطقًا سياسيًا شائعًا في منطقتنا: منطق التفويض الذي يُخرج الشعب من الحساب، ثم يطالبه بدفع الفاتورة باسم الوطن مرة، وباسم الدين مرة، وباسم التاريخ مرة ثالثة، والمفارقة أن مشروعين متناقضين في الشعار، متشابهين في الجوهر،…

روني علي وقفة .. مازال لدى الكوردي المنتمي إلى هويته بعض الوقت لأن يتحرر من أوهام كانت من ارهاصات الموت السوري .. فقد تم الدفع به ليكون سياجا لنظام طاغ والآن يتم الدفع به ليكون جسر الترويض لنظام لا ندرك كنهه .. كل ما ندركه أنه مدفوع الثمن من جانب مراكز القرار الدولية منها والإقليمية .. لن يكون للكوردي أية…

عاكف حسن المفارقة الكبرى في الخطاب الأبوجي اليوم أنه لم يعد يهاجم فقط فكرة الدولة الكردية، بل أصبح يهاجم فكرة الدولة القومية من أساسها، وكأن وجود دولة تعبّر عن هوية شعب أو تحمي مصالحه جريمة تاريخية يجب التخلص منها. لكن السؤال الذي لا يجيبون عنه أبداً: إذا كانت الدولة القومية شراً مطلقاً، فلماذا لا يطلبون من الأتراك أو الفرس أو…