يونس بهرام
سؤال القوة قبل سؤال السلام
في الشرق الأوسط، لا تُقاس قوة الشعوب فقط بما تمتلكه من السلاح، بل بما تمتلكه من ضمانات تاريخية تحمي وجودها حين تتغير الخرائط وتُعقد الصفقات وتُعاد صياغة التوازنات. ومن هنا تحديدًا تنبع المعضلة الكردية اليوم: هل يمكن لشعب خاض قرنًا كاملًا من الصراع والإنكار أن يتخلى عن عناصر قوته قبل أن يحصل على اعتراف دستوري وسياسي حقيقي يضمن حقوقه ووجوده؟
هذه ليست مسألة عسكرية بحتة، بل سؤال فلسفي وسياسي يتعلق بطبيعة الدولة والهوية ومعنى الثقة في الشرق الأوسط. فالكثير من الكرد يرون أن الحديث المتسارع عن تسليم حزب العمال الكردستاني لسلاحه قبل أي تحول دستوري واضح داخل باكور كردستان لا يعكس بالضرورة اقتراب حل تاريخي للقضية الكردية، بل قد يكون جزءًا من محاولة لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية بما يخدم المصالح التركية أولًا.
الحسابات التركية وقلق المرحلة القادمة
ضمن هذا التصور، لا يُنظر إلى الاستعجال التركي في إنهاء القوة العسكرية الكردية بوصفه خطوة إنسانية أو ديمقراطية خالصة، بل باعتباره تعبيرًا عن قلق جيوسياسي أعمق تعيشه تركيا في ظل التحولات الكبرى التي تضرب المنطقة. فأنقرة تدرك أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من السيولة السياسية والأمنية، تتصاعد فيها احتمالات الصدامات الإقليمية، وتتغير فيها موازين القوى بصورة متسارعة.
ولهذا يعتقد كثير من المحللين الكرد أن تركيا تحاول إغلاق الجبهة الكردية داخليًا قبل أي مواجهة إقليمية أكبر قد تجد نفسها منخرطة فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ومن هنا تُقرأ مشاريع “الاندماج” أو “التسوية” المطروحة اليوم بكثير من الحذر داخل الأوساط الكردية.
فالمشكلة بالنسبة لقطاعات واسعة من الكرد ليست في السلام نفسه، بل في سلام بلا اعتراف، وتسوية بلا ضمانات، واندماج يُطلب فيه من الكرد التخلي عن أدوات قوتهم بينما تبقى بنية الدولة الأمنية والعقيدة المركزية التركية على حالها.
الذاكرة الكردية والخوف من تكرار الخيبات
إن التجربة التاريخية للكرد تجعل هذا القلق مفهومًا. فالشعوب التي تعرضت مرارًا للإنكار والتهميش لا تقيس الوعود بالكلمات، بل بالضمانات المكتوبة والقابلة للحماية.
ولهذا ترى قطاعات واسعة من الحركة الكردية أن أي حل حقيقي يجب أن يبدأ أولًا بالاعتراف الدستوري الواضح بالهوية الكردية، وبالحقوق الثقافية والسياسية والإدارية للكرد، قبل الحديث عن تفكيك عناصر القوة العسكرية التي تشكلت أصلًا نتيجة غياب تلك الحقوق.
كردستان الواحدة والوعي العابر للحدود
لكن القضية الكردية اليوم لم تعد محصورة داخل حدود تركيا وحدها. فمنذ تقسيم كردستان بين أربع دول، أدركت القوى الإقليمية أن أخطر ما يمكن أن يتشكل ليس فقط قوة كردية محلية، بل وعي قومي كردي عابر للحدود يرى في باشور كردستان وروژآفا وروژهلات وباكور كردستان أجزاءً من قضية تاريخية واحدة.
ولهذا لم تكن السياسة التركية يومًا مجرد سياسة مواجهة عسكرية مباشرة، بل مشروعًا طويل الأمد لإدارة التناقضات الكردية ومنع تشكل مركز استراتيجي كردي موحّد.
باشور وروژآفا: ولادة النموذج الكردي
لقد شكّل صعود التجربة الكردية في باشور كردستان بعد عام 1991 أول اختراق حقيقي للجدار النفسي والسياسي. ثم جاءت تجربة روژآفا لتضيف نموذجًا إداريًا وسياسيًا جديدًا قائمًا على الإدارة الذاتية.
ومن هنا تتعزز حساسية أنقرة تجاه حزب الاتحاد الديمقراطي، لأن المسألة لم تعد أمنًا حدوديًا فقط، بل خوفًا من تحول “النموذج” إلى فكرة قابلة للانتقال.
إيران والكابوس الجيوسياسي التركي
وفي العمق، يتضاعف هذا القلق التركي مع أي اهتزاز محتمل داخل إيران، لأن أي اضطراب هناك قد يفتح المجال أمام نموذج كردي جديد في روژهلات. وهذا ما تعتبره أنقرة تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا لمعادلة المنطقة.
الانقسام الكردي وثلاث مدارس سياسية
غير أن الأزمة الكردية ليست فقط مع الخارج. فداخل الحركة الكردية نفسها تشكلت ثلاث مدارس سياسية كبرى:
– المدرسة البرزانية المرتبطة بـ الحزب الديمقراطي الكردستاني
– المدرسة الأوجلانية المرتبطة بـ عبد الله أوجلان وحزب العمال الكردستاني
– المدرسة الطلبانية المرتبطة بـ الاتحاد الوطني الكردستاني وإرث جلال طالباني
وكان يمكن لهذا التنوع أن يكون مصدر قوة، لكنه تحول أحيانًا إلى انقسام استراتيجي تستفيد منه القوى الإقليمية، وفي مقدمتها تركيا، عبر إدارة التناقضات بين هذه المدارس بدل مواجهتها مجتمعة.
واشنطن وموسكو:
الحليف الذي لا يكتمل
أما القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا، فقد تعاملت مع الكرد غالبًا بوصفهم أدوات توازن مرحلية. دعمتهم حين احتاجت إليهم، ثم أعادت ترتيب أولوياتها وفق مصالحها مع الدول الإقليمية، ما عمّق شعور الكرد بأنهم حاضرون في الحسابات، لكن غائبون عن الضمانات.
DEM Parti ومحاولة إبقاء السياسة حيّة
في الداخل التركي، يحاول حزب المساواة وديمقراطية الشعوب إبقاء المسار السياسي مفتوحًا، لكن ضمن بيئة سياسية وأمنية معقدة تتسم بانعدام الثقة وغياب أي تحول دستوري جوهري حتى الآن.
روژآفا بين التفاهمات والضغوط
أما في روژآفا، فإن الإدارة الذاتية تواجه مرحلة شديدة الحساسية وسط شبكة معقدة من التفاهمات الإقليمية والدولية. ويعتقد كثير من الكرد أن دمشق أصبحت أكثر اقترابًا من الحسابات التركية في ما يتعلق بملف الإدارة الذاتية في روژآفا، وأن كثيرًا من الضغوط تمر عبر قنوات غير معلنة، يرتبط بعضها بالدور الذي يلعبه هاكان فيدان في إدارة الملف السوري.
معركة المعنى قبل معركة الحدود
لكن السؤال الأعمق يبقى:
ما معنى السلام لشعب لم يحصل بعد على اعتراف كامل بوجوده السياسي؟
إن جوهر القضية الكردية اليوم لا يكمن فقط في السلاح أو الدولة أو الحدود، بل في سؤال الاعتراف ذاته: هل يُطلب من الكرد التخلي عن أدوات وجودهم قبل تثبيت حقوقهم، أم يُبنى السلام على أساس شراكة حقيقية تسبقها ضمانات واضحة؟
في النهاية، قد تنتصر الدول بالقوة مؤقتًا، لكن الشعوب لا تُهزم بسهولة ما دامت ذاكرتها الجماعية قادرة على إنتاج معنى وجودها، وتحويل الجغرافيا الممزقة إلى مشروع تاريخي لا يمحى