فيصل اسماعيل
لم يعد معبر سيمالكا مجرد نقطة عبور حدودية بين غرب كوردستان وإقليم كوردستان العراق، بل تحول خلال السنوات الماضية إلى شريان حياة اقتصادي وإنساني واجتماعي لعشرات آلاف العائلات الكوردية على طرفي الحدود. ولذلك فإن رفع الرسوم الجمركية وأجور الشحن والنقل لا يمكن اعتباره قراراً مالياً عادياً، لأن انعكاساته المباشرة تصيب المواطن البسيط قبل أي جهة أخرى.
فكل زيادة في الجمارك أو تكاليف الشحن تعني تلقائياً ارتفاع أسعار المواد الأساسية في الأسواق، من الطحين والزيت والسكر إلى الأدوية ومواد البناء وقطع الغيار والألبسة. ومع اعتماد مناطق الجزيرة السورية بشكل كبير على البضائع القادمة عبر المعبر، يصبح المواطن الكوردي أول من يدفع ثمن هذه القرارات من لقمة عيشه وقدرته الشرائية.
المشكلة لا تتوقف عند حدود التجارة فقط، بل تمتد إلى الحياة اليومية للناس. فارتفاع أجور النقل والشحن يرهق أصحاب الدخل المحدود، بينما يجد التاجر الصغير نفسه عاجزاً عن الاستمرار في ظل الرسوم المتزايدة، ما يؤدي إلى تراجع الحركة التجارية وازدياد البطالة والفقر في المجتمع.
وفي المقابل، تتحمل الإدارة الذاتية جزءاً كبيراً من المسؤولية عن تفاقم هذه الأزمة، بسبب غياب السياسات الاقتصادية الواضحة، وكثرة الضرائب والرسوم المفروضة على البضائع والتجار داخل مناطقها، إضافة إلى ضعف الرقابة على الأسواق وترك المواطن وحيداً أمام موجات الغلاء المتلاحقة. فبدلاً من السعي لتخفيف الأعباء عن الناس وفتح المجال أمام حركة تجارية أكثر مرونة، ساهمت الإجراءات المعقدة والجبايات المتعددة في زيادة تكلفة البضائع قبل وصولها إلى المستهلك.
كما أن للحكومة المؤقتة دوراً سلبياً في تعميق الأزمة، سواء عبر ضعف التنسيق الاقتصادي والسياسي، أو من خلال التعامل مع الملفات المعيشية بعقلية الصراع والنفوذ بدلاً من عقلية الشراكة الوطنية. فغياب رؤية موحدة لحماية المصالح الاقتصادية للكورد، وتحويل المعابر والموارد إلى أدوات ضغط متبادلة، أدى إلى زيادة الانقسام وإضعاف الثقة بين الشارع الكوردي والقوى السياسية المختلفة.
إن استمرار تبادل الاتهامات وتغليب المصالح الحزبية الضيقة على المصلحة العامة ينعكس بشكل مباشر على الوحدة الوطنية الكوردية. فالشعب الذي يعاني من الفقر والبطالة وارتفاع الأسعار لا ينتظر من القوى السياسية المزيد من الانقسامات، بل ينتظر مشروعاً وطنياً يحمي معيشته وكرامته ويعزز حالة التكاتف بين أبناء الشعب الواحد.
هذه السياسات لم تؤثر فقط على الاقتصاد، بل ضربت أيضاً الروابط الاجتماعية بين العائلات الكوردية الموزعة بين الطرفين، إذ أصبحت تكاليف التنقل والعبور أكثر صعوبة على الطلاب والمرضى وأصحاب الظروف الإنسانية. وفي وقت يحتاج فيه الشعب الكوردي إلى تعزيز التواصل والتكامل الاقتصادي والاجتماعي، تتحول الحدود إلى عبء إضافي يثقل كاهل الناس.
إن تحويل معبر سيمالكا إلى مصدر جباية مالية يفقده معناه الإنساني والقومي، لأن الكورد لطالما نظروا إليه كنافذة تواصل بين أجزاء كوردستان، لا كبوابة لاستنزاف المواطن. والأسوأ أن استمرار ارتفاع الرسوم والجمارك يدفع البعض نحو التهريب والأسواق السوداء، ما يضعف الاقتصاد المنظم ويزيد من الفوضى الاقتصادية.
اليوم، وفي ظل الأزمة المعيشية الخانقة، لم يعد المواطن الكوردي قادراً على تحمل المزيد من الأعباء. لذلك فإن أي سياسة اقتصادية أو إدارية تتعلق بمعبر سيمالكا يجب أن تنطلق من مصلحة الشعب أولاً، بعيداً عن الحسابات الحزبية والمالية الضيقة، لأن استمرار الوضع الحالي لا يهدد الاقتصاد فقط، بل يهدد أيضاً ما تبقى من الثقة والوحدة الوطنية داخل المجتمع الكوردي.