” الحركة الآبوجية ” تعيد انتاج نفسها بلا رتوش

صلاح بدرالدين

 

  أعلنت قيادات – ب ك ك – في مركز قنديل عن انبثاق – الحركة الآبوجية – بديلا لحزبهم المنحل – العمال الكردستاني – ، بقرار من مؤسسه ، وزعيمه – عبدالله اوجلان ( آبو ) ، المصادق من مؤتمرهم العام ، ولم تتضح بعد الأسباب ، والدوافع المباشرة في هذا الإعلان ، ولكن في الغالب تدل الوقائع ان الخطوة هي المزيد من التبعية المطلقة في اطار عبادة الفرد على غرار الأحزاب الشمولية مثل الحزب الحاكم في كوريا الشمالية .

ظهر – ب ك ك – في كنف  نظام الاستبداد الاسدي وانتهى بسقوطه

  بعد قراءتي لكتاب – قائد وشعب سبعة أيام مع ابو – وكنت حينذاك باربيل عاصمة إقليم كردستان العراق والكتاب عبارة عن  حوار اجراه الصحفي السوري –  نبيل الملحم – مع عبدالله اوج الان ونشر عام ١٩٩٩ ، وتضمن اعترافات مثيرة من جانب مؤسس ، وزعيم – ب ك ك – ، وانكارا لوجود شعب كردي سوري ، ومواقف ذيلية لنظام حافظ الأسد ، وعداوات واضحة لكل اطراف الحركة القومية الكردية في الأجزاء الأربعة وخصوصا فيدرالية ، وحكومة ، وقيادة الإقليم ، بعد القراءة شعرت على الفور ان صفحات الكتاب وبعكس الترويج الإعلامي لهذا القائد المزعوم تتضمن كشفا لحقيقة هذا الحزب ، وتسلط الضوء على وظيفته المرسومة من جانب الأنظمة – العميقة – في الدول المقسمة للشعب الكردي من حيث يدري او لايدري ، لذلك – وأعلنها للمرة الأولى – اقترحت على الاخوة في قيادة – البارتي الديمقراطي الكردستاني  – بإعادة طباعة هذا الكتاب ونشره ، وتوزيعه على نطاق واسع ، وقد تم ذلك وعلى مااتذكر كانت الطبعة الأولى ألف نسخة بعد إضافة مقدمة توضيحية .

  الحركة القومية الكردية في تركيا بجوانبها الثورية ، والثقافية قديمة بدأت ملامحها منذ بدايات القرن التاسع عشرفي اعمال الفلاسفة ، والشعراء مثل رائد الفكر القومي – احمدي خاني – والشاعر المتصوف – ملاي جزيري – وغيرهما ، وتواصلت الانتفاضات ، والحركات الاستقلالية مطالبة بالحرية وتقرير المصير في ظل الإمبراطورية العثمانية ، وكذلك في العهد الجمهوري .

  منذ بدايات ستينات القرن المنصرم ظهرت أولى محاولات بناء التنظيمات الحزبية ، وفي الفترة ذاتها ظهرت الانقسامات الفكرية والسياسية ، والاجتهادات المتعددة حول المصير القومي ، والمستقبل ، والابعاد الوطنية للحركة الكردية ، وكانت تو اجه بالحديد والنار ، والاحكام الجائرة في محاكم الأنظمة الشوفينية الحاكمة .

  وفي هذه المرحلة ظهرت العديد من المنظمات الحزبية بشكل سري ، مثل : د د ك د – كوك – رزكاري – آلا رزكاري – تيكوشين ، وفي بداية السبعينات وتحديدا في عام ١٩٧٤ تم تحويل منظمة – د د ك د – والخلايا الأخرى التي اشرف عليها الشهيد الدكتور – شفان – تحت مسمى ( الحركة الديموقراطية الثورية في كردستان تركيا ) الى – حزب عمال كردستان -، حيث اعلن عن برنامجه السياسي  في بيروت بحضور أمينه العام الراحل – عمر جتن – وأعضاء القيادة ( صورو ونجم الدين ) ، وبمشاركتي شخصيا مع عدد من رفاق منظمتنا بلبنان ، وشاركت الرفيق الراحل امين عام الحزب الجديد – عمر جتن – لقاءات تعارف مع قادة منظمة التحرير الفلسطينية ( ياسر عرفات ، ونايف حواتمة ، ود جورج حبش ) ، وكذلك قادة الحركة الوطنية اللبنانية ، وقمنا بزيارات لعدد من سفراء الدول الاشتراكية – سابقا – المعتمدون بلبنان.

  وفي الثمانينات قام – اوجلان – بالسطو على اسم هذا الحزب ، واعلن من سوريا وبرعاية نظام الأسد – حزب العمال الكردستاني – وخلال لقائي باوجلان عام ١٩٨٣ سالته عن سبب استخدام اسم لحزب آخر موجود في الساحة فكان جوابه غير مقنعا .

  في بيروت ومنذ بداية السبعينات وخلال وجودنا هناك استقبلنا ممثلي مختلف المنظمات من كردستان تركيا ، ومن كردستان ايران ، وقدمنا الدعم المطلوب بقدر الإمكان ، ومن ضمنها إقامة دورات عسكرية ، وامنية لكوادرها وذلك بمساعدة الأصدقاء الفلسطينيين واللبنانيين ، وكذلك في مجال النشاط الإعلامي ، والعلاقات السياسية ، كما لبينا طلبات الاشقاء من كردستان العراق ، وكذلك الحزب الشيوعي العراقي ، الذين استقروا بشكل أساسي في سوريا الى جانب فصائل المعارضة العراقية من منظمات بعثية وقومية ، وشيعية ، ووجهاء عشائر .

  نعود الى – ب ك ك – الذي ظهر ، ونما في حضن عائلة الأسد ، وتحول جزء من الماكينة الأمنية والعسكرية للنظام ، وذراعا ضاربا له في الداخل ( ضد الحركة الوطنية الكردية السورية ثم بعد ذلك الثورة السورية ) وفي الخارج ضد فيدرالية إقليم كردستان العراق ، وتركيا وقت الحاجة ، هذا الحزب بدأ فعليا من سوريا الأسد واستحوذ على الدعم الإيراني في زمن ( محور الممانعة ) ، وتراجع ، وبدأ العد العكسي لزواله منذ سقوط نظام الاستبداد الاسدي ، وتورط في العديد من القضايا ، واجرم بحق الكرد في الأجزاء الأربعة وبشكل خاص في سوريا ، فهل سنسمع مستقبلا تفاصيل الملفات المتعلقة بهذا الحزب من اعترافات الضباط الأمنيين بعهد النظام السابق الذين اصبحوا بقبضة العدالة ؟ .

  نعم خرج – ب ك ك – من رحم الدولة العميقة في الأنظمة الإقليمية الأربعة في وقت ظهوره ( تركيا – سوريا – ايران – العراق ) ، واذا كانت قوى واطرافا كردية أخرى تتمتع بعلاقات مع دولة من هذه الدول الأربع او دولتين ، وعلى سبيل المثال كان لكل من الحزب الديموقراطي الكردستاني – العراق ، والاتحاد الوطني الكردستاني – العراق علاقات مع سوريا  بشكل دائم ، ومتقطعة مع ايران وتركيا ، كما كان لحزبي ديموقراطي كوردستان ايران علاقات قوية مع نظام بغداد فقط ،  فان علاقات – ب ك ك – كانت مزدهرة مع الأنظمة في الدول الأربع وفي كل المراحل ، مع تركيا العميقة من خلال الأوساط العسكرية ومنظمة – ارغنكون – ومع العواصم الأخرى من خلال مكاتب وممثلين ودعم لوجستي ، وهذا يفسر طبيعة وظيفة هذا الحزب على الصعيد الإقليمي وفي خدمة الأنظمة الأربعة ، ومقبوليته لدى أوساط نافذة حتى في الدول الأوروبية وامريكا بالرغم من وصمه بالإرهاب .

   

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس الدبلوماسية الكوردية الجديدة. لم تعد القضية الكوردية اليوم تحتاج فقط إلى قوة تحميها، ولا إلى خطاب يشرح عدالتها، بل تحتاج أيضًا إلى دبلوماسية جديدة تعرف كيف تنقلها من موقع المظلومية المزمنة إلى موقع الفاعل القادر على بناء العلاقات، وقراءة المصالح، والتعامل مع العالم كما هو، لا كما نتمنى أن يكون. فأحد أعمق أوجه الضعف في التاريخ السياسي…

شادي حاجي في السياسة، ليست كل المعارك تُحسم بالسلاح، فهناك انتصارات تُولد من كلمة ذكية، وموقف هادئ، وحوار يُدار بحكمة. وهنا تظهر الدبلوماسية بوصفها واحدة من أقوى أدوات التأثير، لأنها قادرة على تحقيق ما تعجز عنه القوة التقليدية مهما بلغت. الدبلوماسية ليست مجرد لقاءات رسمية أو بيانات سياسية، بل هي فن إدارة المصالح، وبناء العلاقات، واحتواء الأزمات قبل انفجارها. إنها…

عبد الجابر حبيب لم يعد الفيسبوك مساحة للتواصل الاجتماعي، وتبادل الآراء فقط، لأنه بكلِّ أسف شديد قد تحوّل في كثيرٍ من الأحيان إلى ساحة مفتوحة للصراعات السياسية والإيديولوجية، يزرع فيها كل طرف بذور الحقد، والكراهية ضد الطرف الآخر. وأصبح بعض الناس يتعاملون مع السياسة بوصفها معركةً شخصية، لا تقبل النقاش، ولا تحتمل الاختلاف، حتى غدا كثيرون أشبه بمحامي دفاع دائمين…

في 29 أيار 2026، ونحن نحيي الذكرى الحادية والعشرين لانطلاقة تيار مستقبل كردستان سوريا، نقف مرة أخرى عند لحظة التأسيس التي لم تكن عبارة عن حدث تنظيمي فقط ، بل تجسيداً حقيقياً لإرادة سياسية وُلدت من رحم المعاناة الكردية ومن الإيمان العميق بأن سوريا الجديدة لن تبنى إلا على قاعدة الديمقراطية والتعددية والاعتراف المتساوي بحقوق جميع مكوناتها. لقد أدرك مؤسسو…