عن ثورة الجياع نتكلم

حسن قاسم

 

لم يعد في سوريا ما يُقال بلطف.
ما يجري ليس أزمة… بل جريمة مستمرة بحق شعب كامل.
بلد غني بثرواته، منهوب حتى العظم.
الجزيرة السورية، التي كانت يومًا سلة الاقتصاد، تحوّلت إلى أرضٍ ينهشها الفقر، ويُذل أهلها بالعوز والحرمان. كيف يمكن تفسير هذا الانحدار سوى بأنه نتيجة مباشرة للفساد، وسوء الإدارة، وغياب أي حسّ بالمسؤولية؟
85% من الشعب تحت خط الفقر…
وهذه ليست أرقامًا للإحصاء، بل صرخة شعب يُسحق يوميًا.
لا ماء. لا كهرباء. لا وقود.
تعليم منهار، خدمات معدومة، وواقع معيشي يزداد قسوة كل يوم.
أما التهجير، فلم يعد مجرد نتيجة للحرب، بل سياسة مستمرة تُفرغ الأرض من أهلها وتدفعهم إلى المجهول.
وفي مقابل كل هذا، ماذا تفعل القيادات السياسية؟
تصمت… أو تتواطأ… أو تتاجر بالشعارات.
سنوات من الوعود الفارغة، والبيانات الخشبية، والخطابات الطوباوية التي لم تُشبع جائعًا، ولم تُنقذ مريضًا، ولم تُعد كرامةً مهدورة.
تحولت قضية شعب إلى سوق مفتوح للمصالح الضيقة، تُباع فيه التضحيات، ويُساوم على دم الشهداء.
أي وقاحة هذه التي تجعل من ضحّى بدمه يُترك اليوم فريسة للجوع؟
أي منطق هذا الذي يجعل من قدّم أبناءه قرابين للحرية، عاجزًا عن تأمين لقمة العيش؟
الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها واضحة:
الجوع لا يصبر…
والكرامة حين تُداس تتحول إلى غضب.
“ثورة الجياع” ليست شعارًا… بل قدر يقترب.
حين يُحاصر الإنسان في قوته وكرامته، لن ينتظر إذنًا من أحد ليصرخ، ولن يستشير أحدًا ليغضب.
لكن ما هو أخطر من الجوع، هو هذا الإصرار المريب على تجاهله.
هذا العمى السياسي الذي يتعامل مع معاناة الناس كأنها تفصيل عابر.
إن الاستمرار في هذا النهج لن يقود إلا إلى انفجار اجتماعي، لن يميّز بين فاسد وصامت، بين متواطئ وعاجز.
فالسكوت عن الظلم… شراكة فيه.
المطلوب اليوم ليس إصلاحًا شكليًا، ولا وعودًا جديدة تُضاف إلى سجل الأكاذيب.
المطلوب محاسبة حقيقية، تغيير جذري، واقتلاع منظومة الفساد من جذورها.
وإلا…
فإن “ثورة الجياع” لن تكتفي بإسقاط الشعارات، بل ستسقط كل من وقف في وجه كرامة هذا الشعب… أو صمت عن إذلاله.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس الدبلوماسية الكوردية الجديدة. لم تعد القضية الكوردية اليوم تحتاج فقط إلى قوة تحميها، ولا إلى خطاب يشرح عدالتها، بل تحتاج أيضًا إلى دبلوماسية جديدة تعرف كيف تنقلها من موقع المظلومية المزمنة إلى موقع الفاعل القادر على بناء العلاقات، وقراءة المصالح، والتعامل مع العالم كما هو، لا كما نتمنى أن يكون. فأحد أعمق أوجه الضعف في التاريخ السياسي…

شادي حاجي في السياسة، ليست كل المعارك تُحسم بالسلاح، فهناك انتصارات تُولد من كلمة ذكية، وموقف هادئ، وحوار يُدار بحكمة. وهنا تظهر الدبلوماسية بوصفها واحدة من أقوى أدوات التأثير، لأنها قادرة على تحقيق ما تعجز عنه القوة التقليدية مهما بلغت. الدبلوماسية ليست مجرد لقاءات رسمية أو بيانات سياسية، بل هي فن إدارة المصالح، وبناء العلاقات، واحتواء الأزمات قبل انفجارها. إنها…

عبد الجابر حبيب لم يعد الفيسبوك مساحة للتواصل الاجتماعي، وتبادل الآراء فقط، لأنه بكلِّ أسف شديد قد تحوّل في كثيرٍ من الأحيان إلى ساحة مفتوحة للصراعات السياسية والإيديولوجية، يزرع فيها كل طرف بذور الحقد، والكراهية ضد الطرف الآخر. وأصبح بعض الناس يتعاملون مع السياسة بوصفها معركةً شخصية، لا تقبل النقاش، ولا تحتمل الاختلاف، حتى غدا كثيرون أشبه بمحامي دفاع دائمين…

في 29 أيار 2026، ونحن نحيي الذكرى الحادية والعشرين لانطلاقة تيار مستقبل كردستان سوريا، نقف مرة أخرى عند لحظة التأسيس التي لم تكن عبارة عن حدث تنظيمي فقط ، بل تجسيداً حقيقياً لإرادة سياسية وُلدت من رحم المعاناة الكردية ومن الإيمان العميق بأن سوريا الجديدة لن تبنى إلا على قاعدة الديمقراطية والتعددية والاعتراف المتساوي بحقوق جميع مكوناتها. لقد أدرك مؤسسو…