عدنان بدرالدين
إذا كان النموذج التركي قد مثّل الشكل الصريح لتطابق السلطة والهوية عبر تثبيت تعريف قومي مغلق للجماعة السياسية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: كيف يُعاد إنتاج احتكار القرار السيادي النهائي حين لا يُعلن هذا التطابق بصراحة ، بل يُؤطَّر داخل بنية عقائدية أو أمنية مختلفة في لغتها، متشابهة في منطقها البنيوي؟
في الحلقة السابقة توقفنا عند لحظة التطابق التأسيسي حيث تتحول الهوية إلى قاعدة دستورية يُعاد بناء المجال السياسي داخلها. لكن تعريف الجماعة السياسية لا يكفي وحده لفهم طبيعة النظام. المسألة الأعمق تتعلق بكيفية تحصين هذا التعريف ومنع إعادة فتحه.
من يملك الكلمة الأخيرة في تفسير الدستور؟
من يحدد حدود الممكن سياسيًا؟
ومن يحتكر القرار السيادي النهائي حين يُطرح سؤال إعادة تعريف الدولة؟
هنا ننتقل من تعريف الهوية إلى تثبيت السيادة.
المقصود بالمركز هنا ليس العاصمة ولا الجغرافيا، بل موقع احتكار القرار السيادي النهائي: الجهة التي تملك حق تحديد السياسات العامة، إعلان الحرب والسلم، رسم حدود الانتماء السياسي، ومنع إعادة تعريف الجماعة من خارج منطقها الخاص.
في المجتمعات المتعددة القوميات لا يظهر اختبار الشرعية في الاعتراف بالتنوع الثقافي، بل في سؤال أعمق: هل يُسمح للتعدد بالمشاركة في تعريف السيادة نفسها؟
الحالة السورية: تبدل الخطاب وثبات البنية
في الحالة السورية يتغير الغطاء الأيديولوجي، لكن البنية السيادية لا تتفكك. ففي مرحلة حزب البعث العربي الاشتراكي كان تعريف الجماعة السياسية مباشرًا وصريحًا، إذ قُدِّم الشعب السوري بوصفه جزءًا من الأمة العربية، وكانت الدولة عربية في اسمها وسرديتها ومناهجها التعليمية.
لم يُعترف بالتعدد القومي بوصفه عنصرًا مؤسسًا في تعريف الدولة، بل أُدرج داخل تعريف قومي جامع يحتكر الشرعية. الهوية هنا لم تكن توصيفًا اجتماعيًا مرنًا، بل قاعدة قانونية مغلقة.
المرجعية الحزبية شكّلت الإطار النظري للنظام، لكن القرار السيادي الفعلي تمركز تدريجيًا في موقع القائد. التقت الحزبية الشكلية مع الشخصانية السياسية في نقطة واحدة: احتكار القرار النهائي.
لم تُناقش المطالبة بإعادة تعريف الانتماء بوصفها مسألة تعاقدية داخل الدولة، بل صُنّفت تهديدًا للوحدة الوطنية. هكذا حُسم تعريف الجماعة، وحُصّنت السيادة داخل إطار غير قابل لإعادة التفاوض.
بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 بدا أن لحظة إعادة تعريف الدولة قد فُتحت. غير أن الإعلان الدستوري لعام 2025 لم يُفكك البنية القومية للدولة.
بقي اسم الجمهورية العربية السورية، وبقيت العربية اللغة الرسمية الوحيدة، وأكد النص وحدة الأرض وعدم قابليتها للتجزئة.
صحيح أن الإعلان نصّ على كفالة التنوع الثقافي والحقوق اللغوية لجميع السوريين، لكن هذا الاعتراف بقي في مستوى الإدارة الثقافية لا في مستوى التأسيس السيادي. التعدد أُدير داخل الإطار، ولم يُشرك في صياغته.
ما تغيّر هو الغطاء الأيديولوجي. حلّ خطاب إسلامي سيادي محل الخطاب البعثي العروبي، وأصبح الفقه الإسلامي مصدرًا رئيسًا للتشريع.
غير أن هذا التحول لم يُنشئ مؤسسة دينية دستورية تعلو على السلطات على نحو مماثل للنموذج الإيراني، بل بقي في مستوى النص والتوجيه العام.
البنية الأساسية لم تتغير: المركز ما زال يحتكر القرار السيادي النهائي، وإن تبدلت لغته التعبوية.
بهذا المعنى لا نكون أمام انتقال من دولة قومية إلى دولة تعاقدية متعددة، بل أمام إعادة تأطير للبنية نفسها بلغة جديدة تمنحها حصانة إضافية دون أن تفتحها لإعادة التأسيس.
حدود الاندماج داخل إطار مغلق
في هذا السياق، تبرز تجربة الإدارة الذاتية الأوجلانية في شمال وشمال شرق سوريا بوصفها محاولة للتعامل مع هذا الواقع من داخل حدوده لا من خارجها. فقد اتجهت هذه التجربة، في صيغها الأخيرة، إلى مقاربات تقوم على الاندماج في مؤسسات الدولة السورية بدل السعي إلى إعادة تأسيسها على أسس قومية مختلفة.
ويُقدَّم هذا التوجه داخل هذا الخطاب بوصفه تجاوزًا لصيغ من المطالب السياسية المرتبطة بإعادة توزيع السلطة أو إعادة تعريف العلاقة مع الدولة. غير أن هذا التحول لا يمكن فصله عن طبيعة الإطار السيادي القائم، الذي لم يُفتح لإعادة التفاوض على مستوى التأسيس.
ففي غياب إمكانية إدخال التعدد في بنية السيادة نفسها، يتحول هذا المسار إلى شكل من أشكال التكيّف مع حدود قائمة، حيث يُدار التعدد داخل الإطار بدل أن يشارك في إعادة تعريفه. وبذلك تبقى المسألة مفتوحة على توتر مستمر بين واقع التعدد وحدود البنية السيادية التي تحتويه.
الحالة الإيرانية: تحصين السيادة دستوريًا
في الحالة الإيرانية يظهر منطق تحصين السيادة بصورة أوضح على المستوى الدستوري. يستخدم الدستور الإيراني مصطلح «ملت ایران» للإشارة إلى الأمة السياسية السيادية، وهو مصطلح يقابل مفهوم الأمة (nation) في القانون الدستوري الحديث.
تنص المادة الأولى من الدستور على أن حكومة إيران جمهورية إسلامية أيدتها «ملت ایران». كما تقرر المادة 56 أن السيادة المطلقة لله، لكنه منح الإنسان حق تقرير مصيره، وتمارس «ملت ایران» هذا الحق.
غير أن هذا المصطلح لا يتطابق مع مفهوم الشعب بالمعنى الاجتماعي.
فالدستور يميز بين ثلاث طبقات لغوية وسياسية مختلفة:
«ملت ایران» تشير إلى الأمة السياسية السيادية.
«مردم» تشير إلى الناس أو السكان.
وتظهر أحيانًا عبارة «شعب ایران» في سياق الحديث عن القوميات المختلفة.
هذا التمييز ليس لغويًا فقط، بل يحمل دلالة سياسية مهمة. فالقوميات المختلفة — الكرد والآذريون والبلوش والعرب وغيرهم — تُعترف بهم داخل المجتمع، لكنهم لا يُعرَّفون كوحدات سيادية مستقلة داخل الأمة السياسية.
بعبارة أخرى: التنوع موجود على مستوى المجتمع، لكنه لا يشارك في تعريف السيادة.
آليات تحصين القرار السيادي
تأتي ولاية الفقيه بوصفها الآلية الدستورية التي تحرس هذا البناء السيادي. فالموقع الأعلى للقرار يتمثل في المرشد، الذي يمتلك صلاحيات مباشرة في تحديد السياسات العامة، وقيادة القوات المسلحة، وإعلان الحرب والسلم.
إلى جانب ذلك، يقوم مجلس صيانة الدستور بدور حاسم في ضبط المجال السياسي، من خلال مراجعة القوانين والإشراف على أهلية المرشحين.
بهذا المعنى، لا تُلغى المشاركة السياسية، لكنها تمر عبر عملية فلترة تمنع ظهور قوى يمكن أن تعيد تعريف النظام نفسه.
هنا يظهر معنى تحصين القرار السيادي: يمكن التنافس على إدارة الدولة، لكن ليس على تغيير بنيتها.
إدارة التعدد أم إشراكه في تعريف السيادة
في النماذج الثلاثة – تركيا وسوريا وإيران – يتكرر نمط واحد رغم اختلاف الأيديولوجيات.
في تركيا يُعرَّف الانتماء قوميًّا بشكل صريح.
في سوريا يُعاد تأطير التعريف القومي ضمن خطاب ديني جديد.
وفي إيران تُؤطر السيادة بعقيدة دستورية تعلو على المجال السياسي.
لكن في الحالات الثلاث لا يُمنح التعدد وضعًا تأسيسيًا في تعريف الدولة.
وهنا يظهر الفرق الحاسم:
إدارة التعدد تعني الاعتراف به داخل إطار محدد سلفًا.
أما إشراكه فيعني امتلاكه القدرة على المشاركة في تعريف الإطار نفسه.
اختبار الشرعية
في المجتمعات المتعددة القوميات لا يتعلق السؤال بمدى الاعتراف بالثقافات واللغات، بل بمدى القابلية لإعادة تعريف السيادة ذاتها.
هل يمكن تعديل تعريف الجماعة السياسية من داخل النظام؟
أم أن أي محاولة لإعادة توزيع القرار السيادي النهائي تُعامل كتهديد وجودي؟
في النماذج التي تناولناها، تتبدل اللغة الأيديولوجية، لكن البنية تبقى واحدة: السيادة محصّنة ضد التفاوض التأسيسي.
تمهيد للحلقة الرابعة
لكن ماذا يحدث حين لا يستطيع مركز واحد احتكار تعريف الجماعة بالكامل؟ وماذا يحدث حين يُعاد توزيع السلطة دستوريًا بين مكونات متعددة دون أن يُغلق سؤال الهوية نهائيًا؟
هناك ننتقل من منطق تحصين السيادة إلى منطق إعادة توزيعها، ومن وحدة سيادية مغلقة إلى صيغة تعايش دستوري مفتوحة على التوتر، كما هو الوضع في الحالة العراقية.
وهنا يبدأ الفصل الأخير من اختبار الشرعية.
– يتبع –