عبدالرحمن كلو
لم يعد اتفاق ” بهجلي–أوجلان ” مبادرة داخلية تركية لإنهاء ” صراع طويل ” مع الPKK ، بل تحوّل إلى ورقة إقليمية معلّقة على مآلات الحرب على إيران. فالمسار الذي بدأ بنداء دولت بهجلي إلى أوجلان في أكتوبر/تشرين الأول 2024، تطوّر إلى دعوة أوجلان الحزبَ إلى إنهاء العمل المسلح وحلّ نفسه والانتقال إلى مرحلة ” الاندماج الديمقراطي “، مع المجتمع التركي، كان يبدو في بدايته محاولة فتح مسار ” حل استراتيجي داخل تركيا ” ومؤثر في مسار الحالة الكوردية في الجانب السوري بعد سقوط نظام الأسد . غير أنّه، بعد الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، دخل الإتفاق طورًا مختلفًا تمامًا: طور” التعليق الاستراتيجي.”
فتركيا تبدو اليوم أمام هاجس جديد يتجاوز حدود صراعها التقليدي المزعوم مع الـPKK؛ إنه هاجس الحالة الكوردية في إيران، وما قد تفتحه الحرب من احتمالات تفكيك الدولة الإيرانية، أو فدرلتها، أو إعادة توزيع السلطة داخلها. ومن هذه الزاوية، تغيّرت حسابات أنقرة جذريًا. فهي التي كانت تدفع، في الظاهر، نحو نزع سلاح حزب العمال في ظل وجود إيران قوية ومتماسكة، باتت الآن تنظر إلى هذا السلاح من زاوية مختلفة. لم يعد السلاح تهديداً ينبغي التخلص منه، بل ورقة قد تحتاجها تركيا لتكون في حالة جاهزية لمواجهة أي طموح كوردي حقيقي قد يتبلور داخل إيران.
بهذا المعنى، الحرب على إيران غيرت اتجاه المسار كله. فقد انتقل ملف بهجلي–أوجلان من كونه شأنًا تركيًا داخليًا إلى جزء من معادلة إقليمية خاصة بالشأن الإيراني،
وتأسيساً على ذلك تتحرك أنقرة بين هاجس ” الأمن القومي ” ، و ” خطر ” نشوء كيان كوردي إيراني، كما وفي ذات المسعى تأتي رغبتها في الاحتفاظ بأوراق ضغط داخل الفضاء الكوردي الممتد من تركيا إلى سوريا والعراق وإيران. لذا فهي تعيد تقييم علاقتها بالـ PKK وبفرعه الإيراني بژاك – PJAK، وتتعامل مع السلاح ” الكوردي ” لا بوصفه ملفًا انتهى، بل بوصفه ورقة قد تصبح ضرورية في لحظة إقليمية لم تُحسم بعد.
- الدولة التركية لا تصالح؛ إنها تعيد توزيع المخاطر
من الخطأ التعامل مع مسار بهجلي–أوجلان بوصفه مصالحة سياسية متكافئة. الدولة التركية لا تفاوض من موقع الاعتراف بالمسألة الكوردية بوصفها قضية شعب وحقوق وسيادة ذاتية، بل من موقع العقيدة الأمنية الصلبة التي ترى أن أي بنية كوردية مستقلة، داخل تركيا أو خارجها، هي تهديد لبنية الدولة. لذلك فإن جوهر المسار لم يكن ” السلام ” بالمعنى السياسي ا، بل تحييد الخطر وإعادة إدخاله في بنية الدولة.
ولهذا جاء مفهوم” الإندماج الديمقراطي” كإطار لإعادة إدماج وتأهيل الحراك السياسي الكوردي في الدولة التركية وفق معاييرها ، لا لإعادة تعريف الدولة نفسها. بل يعرف أوجلان نفسه بالدولة ويتماهى مع مؤسساتها، وضرورة الإنتماء إليها بشروط بخجلي مقابل حريته الشخصية .
هنا تظهر المفارقة: أوجلان قدّم أقصى ما يمكن أن يقدمه سياسي في موقعه؛ دعا إلى حل الحزب، وإنهاء السلاح، والاندماج في الدولة. لكن الدولة التركية لم تتعامل مع ذلك بوصفه لحظة تسوية تاريخية، بل بوصفه فرصة لاختبار مدى قابلية الحركة الكوردية للتفكيك دون دفع أي ثمن سياسي . ومن هنا بدأت أزمة التوقعات: أوجلان كان ينتظر ” قوانين سلام للمسار ” لحفظ ماء الوجه ، بينما الدولة كانت تنتظر ” استسلامًا منضبطًاً وسلساً .”
- الحرب على إيران قلبت الطاولة
قبل الحرب على إيران، كان من الممكن لأنقرة أن ترى في نزع سلاح الـPKK مكسبًا استراتيجيًا مباشرًا. أما بعد الحرب، فقد أصبح تفكيك شبكة الـPKK بكل امتداداتها الإقليمية قرارًا محفوفًا بالمخاطر. فإيران ليست دولة مجاورة عادية في الحسابات التركية؛ إنها خاصرة شرقية ضخمة، تضم كتلة كوردية معتبرة، وتجاور كوردستان العراق، وتتقاطع مع شبكات PJAK، والحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني، وكومله، وفصائل أخرى.
التقارير الأخيرة عن دعم إسرائيلي محتمل لتحركات فصائل كوردية إيرانية، ، للسيطرة على مناطق حدودية داخل إيران أو الدفع نحو صيغ حكم ذاتي، رفعت حساسية أنقرة إلى مستوى أعلى. كذلك أعلنت تركيا رسميًا أنها تتابع هذه التحركات، واعتبرتها عاملًا مهددًا لاستقرار إيران والمنطقة.
هنا يصبح السؤال التركي مختلفًا: ماذا لو انهارت إيران أو أُعيد تركيبها؟ ماذا لو ظهر إقليم كوردي إيراني على حدود تركيا الشرقية؟ دون أن تتحرك تركيا كما لم تتحرك في 2003 أثناء عملية تحرير العراق ، قد يصبح ذلك خطأً استراتيجيًا من منظور أنقرة.
- الـPKK وبژاك PJAK – كورقة من أوراق الغرف المظلمة
الـPKK ليس مجرد حزب متمرّد كلاسيكي نشأ خارج الدولة وضدها، بل هو، في جزء كبير من بنيته ووظيفته التاريخية، صناعة من صناعات الغرف المظلمة للدولة العميقة. وهذه القراءة السياسية مبنية على تراكم طويل من السلوك، والتناقضات، والوظائف التي أداها الحزب في لحظات مفصلية ضد إمكانات نشوء مشروع وطني كوردي مستقل. لصالح أجندات الدول التي تتقاسم كوردستان.
بهذا المعنى، فإن الدولة التركية لا تتعامل مع الـPKK بوصفه عدوًا خارجيًا فقط، بل بوصفه أداة خطرة ومفيدة في آن واحد: خطر حين يخرج عن الضبط، ومفيد حين يمكن توظيفه لتفكيك مشاريع كوردية أخرى أو منع تحولها إلى كيان سياسي مستقل. لذلك لا تبدو أنقرة اليوم في عجلة من أمرها لإغلاق ملف السلاح نهائيًا. فهي قد لا تريد استمرار الحرب داخل تركيا، لكنها قد تحتاج إلى ظل هذا السلاح في إيران، أو إلى قدرة PJAK على التشويش، أو إلى إبقاء شبكات الحزب في حالة انتظار حتى تتضح مآلات طهران.
بصيغة أكثر مباشرة: تركيا لا تريد أن تدفن ورقة قد تحتاجها غدًا. وإذا كان السلاح الكوردي خطرًا حين يتجه نحو الداخل التركي، فإنه قد يتحول، في منطق الدولة العميقة، إلى أداة حين يُعاد توجيهه نحو جغرافيا أخرى، أو حين يُستخدم لمنع قيام مشروع كوردي لا تتحكم أنقرة بإيقاعه.
- لماذا أوقفت تركيا المسار عمليًا؟
ما يجري الآن ليس إلغاءً رسميًا للمسار، بل تبريد متعمد له. تركيا لا تعلن نهاية العملية، لكنها تمنعها من الوصول إلى نتيجة نهائية. لا هي تمنح أوجلان حزمة قانونية واضحة، ولا هي تفتح باب اعتراف سياسي، ولا هي تسمح للحزب بتحويل قرار حل نفسه إلى مكسب تاريخي. في المقابل، تبقي الخطاب مفتوحًا: السلام مستمر، اللجان تعمل، العملية إيجابية، لكن لا شيء حاسمًا يحدث.
هذا هو جوهر ” التعليق الاستراتيجي” : إبقاء العملية حيّة بما يكفي لمنع الانفجار، ومجمّدة بما يكفي لمنع ولادة حل سياسي حقيقي. فأنقرة تعيد حساباتها الآن لا فقط تجاه علاقة الدولة بالـPKK، بل تجاه وظيفة السلاح نفسه. هل يُسلَّم؟ هل يُدفن؟ هل يُعاد توزيعه؟ هل يُترك في مناطق محددة؟ هل يُفصل بين سلاح تركيا وسلاح العراق وسلاح سوريا وسلاح إيران؟ هذه أسئلة لا تستطيع تركيا حسمها قبل أن ترى مصير إيران.
- سوريا وقسد بين تبعية دمشق واستقلالية السلوك
الساحة السورية تؤكد المنطق نفسه. تركيا تضغط على حكومة أحمد الشرع لدفع قسد إلى الاندماج في مؤسسات دمشق، لكنها لا تريد بالضرورة حلًا ديمقراطيًا عادلًا للكورد في سوريا. ما تريده، في القراءة الأرجح، هو وضع” قسد ” بين خيارين ضاغطين: تبعية سيادية لدمشق من جهة، وحرمانها من استقلالية السلوك في المناطق الكوردية من جهة أخرى. أي العودة، بصيغة جديدة، إلى مربع قديم: سلطة مركزية في دمشق، وحقوق كوردية مؤجلة، وإدارة محلية بلا قرار سيادي.
الاتفاقات بين دمشق وقسد تحدثت عن دمج القوات والمؤسسات والمعابر والموارد ضمن الدولة السورية، بينما قالت تركيا بوضوح إن دمج قسد في الدولة السورية يخدم أمنها ويخفف الضغط على مسارها مع الـPKK. كما تحدثت تقارير عن أن أنقرة ترى أي مماطلة من ” قسد ” مبررًا لاستخدام القوة أو تهديدًا بها.
هذا يعني أن تركيا لا تضغط من أجل ” حل كوردي سوري” بل من أجل تفريغ ” قسد ” من استقلاليتها أو تمايزها كحالة كوردية ، بل تريدها أن تكون داخل دمشق، لكن بلا مشروع كوردي مستقل كما تخطط أنقرة وكما يقول أجلان في رسائله؛ داخل الدولة، لكن منزوعة القرار؛ موجودة أمنيًا وإداريًا، لكن محكومة بسقف سيادي عربي مركزي. وهذه، في جوهرها، ليست قطيعة مع مرحلة الأسد، بل إعادة إنتاج لها بواجهة جديدة: كورد بلا سيادة، إدارة بلا أفق، وقرار أمني سوري في المركز.
- ما معنى استمرار الاعتقالات وخطف الأطفال؟
إذا كانت الحرب انتهت، وإذا كان الحزب قد حل نفسه، وإذا كان السلاح في طريقه إلى التسليم، فإلى أين يذهب الأطفال؟ ولماذا تستمر أنماط التجنيد والخطف والاحتجاز؟ هذه الأسئلة ليست مسائل حقوقية فحسب بل اختبار سياسي لطبيعة المرحلة. فإذا كانت البنية العسكرية–الحزبية ما تزال تُنتج تجنيدًا أو خطفًا أو احتجازًا أو تعبئة أيديولوجية، فهذا يعني أن الحديث عن “ما بعد الحرب” سابق لأوانه.
تقارير الأمم المتحدة حول الأطفال والنزاع المسلح في سوريا، التي غطت السنوات الأخيرة حتى 2024، وضعت التجنيد والاستخدام ضمن أكثر الانتهاكات جسامة، ونسبت الانتهاكات إلى أطراف عديدة بينها قوات سوريا الديمقراطية ” قسد” . كما تواصل منظمات حقوقية سورية توثيق قضايا تجنيد أطفال في مناطق سيطرة قسد، وإن كان ينبغي دائمًا التمييز بين الاتهامات الحقوقية وبين الوقائع المثبتة قضائيًا حالةً بحالة.
سياسيًا، استمرار هذه الملفات يعني أن البنية لم تتحول بعد من منطق الحزب–الجبهة إلى منطق المجتمع المدني. والأسئلة التي تفرض ذاتها هي: إذا لم تكن هناك حرب، فلماذا تُحافَظ على آليات الحرب؟ وإذا لم يعد هناك حزب مسلح، فلماذا يستمر إنتاج مقاتلين صغار؟ وإذا كان المستقبل هو الاندماج الديمقراطي، فلماذا لا تُغلق فورًا كل البنى التي تنتمي إلى زمن التعبئة العسكرية؟
- أزمة أوجلان هي أزمة سوء تقدير لوظيفة الحزب
من موقع أوجلان، تبدو المسألة كأنه قدّم تنازلًا تاريخيًا ينتظر مقابله حرية شخصية أو اعترافًا سياسيًا بحده الأدنى . لكنه، في الواقع، يواجه دولة لا ترى في التنازل مدخلًا إلى شراكة، بل فرصة لتصفية الخطر بأقل كلفة. هنا تكمن أزمة أوجلان: أنه يظن أن الدولة تتفاوض معه بوصفه شريكًا في حل، بينما الدولة تتعامل معه بوصفه مفتاحًا لضبط أداة.
لذا فإن أوجلان لا يقف خارج هذه المعادلة، بل داخلها. فهو ليس فقط قائدًا أسيرًا يخاطب حزبه، بل جزء من هندسة سياسية أعمق تُستَخدم فيها لغته، ومفاهيمه، وتحولاته النظرية، لتبرير نقل الحركة الكوردية من مشروع تحرر قومي إلى مشروع اندماج وظيفي. ولذلك لا غرابة في أن ينتهي ” نقد الدولة القومية ” عند أوجلان إلى مطالبة الكورد بالاندماج في الدول القائمة، بينما تبقى هذه الدول نفسها قومية ومركزية وأمنية حتى العظم.
وأخيرًا فالحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران لم تعطل مسار المصالحة التركي–الكوردي فقط، بل كشفت طبيعته الحقيقية. هذا المسار لم يكن مشروع سلام مكتملًا، بل عملية إعادة توزيع للأدوار. تركيا أرادت من أوجلان أن يفتح باب تفكيك الـPKK، لكنها لم تكن مستعدة لمنح الكورد ثمنًا سياسيًا مقابل ذلك. ثم جاءت الحرب على إيران لتجعل التفكيك الكامل للحزب، وفروعه وشبكاته، قرارًا غير مريح لأنقرة.
لذلك أوقفت تركيا العملية عمليًا دون أن تعلن موتها. هي تتريث. تعيد الحساب. تراقب إيران. تراقب PJAK. تضغط على دمشق لتطويق قسد. وتبقي أوجلان في موقع من ينتظر تنفيذ وعود لا يبدو أن الدولة مستعجلة لتنفيذها.
في المدى المنظور، لا مصالحة حقيقية، بل تعليق استراتيجي. لا حل نهائي، بل إدارة أوراق. لا اندماج ديمقراطي، بل محاولة لإدخال الكورد في الدول القائمة دون ضمانات سيادية. وسلاح الـPKK في الحساب التركي الجديد، ورقة لا ينبغي التخلص منها سريعًا، خوفًا من إيران جديدة، ومن كوردستان إيرانية محتملة، ومن خرائط قد تُفتح قبل أن تكون أنقرة قد رتبت أدواتها في الظل.