د. محمود عباس
من أغرب ما يفعله مزوّرو تاريخ الشعب الكوردي أنهم حين يعجزون عن اقتلاعه من الجغرافيا، يحاولون دفعه إلى زمنٍ متأخر، كأن التاريخ لا يبدأ إلا من اللحظة التي تخدم أوهامهم. وهكذا ينهار الادعاء بأن الكورد لم يظهروا إلا في زمن الصفويين والعثمانيين أمام أبسط شواهد التاريخ الإسلامي الوسيط.
فصلاح الدين الأيوبي، المولود في تكريت سنة 1137/1138م، لم يظهر من فراغ، ولم تنزل أسرته الأيوبية من هامش مجهول في التاريخ، بل جاءت من بيئة كوردية معروفة، قبل الدولة الصفوية والصراع الصفوي–العثماني بقرون. وإذا كان القبيسي يريد نفي الوجود الكوردي قبل تلك المرحلة، فعليه أولًا أن يفسر لنا من أين جاء صلاح الدين، ومن أي فراغ خرجت أسرته، ومن أين جاءت العشائر الكوردية التي استند إليها في حروبه ومواجهة الصليبيين.
وعليه أن يشرح أيضًا كيف صار رجلٌ من أسرة كوردية مؤسسًا لسلالة حكمت مصر والشام واليمن وفلسطين، وارتبط اسمها بواحد من أكثر التحولات حضورًا في التاريخ الإسلامي الوسيط. أما أن يُلغى كل هذا الحضور بجملة مرتجلة عن الصفويين والعثمانيين، فذلك لا يدل على قراءة تاريخية، بل على عجزٍ فاضح عن رؤية ما هو مكتوب في أبسط صفحات التاريخ.
بل إن امتدادات تلك المرحلة لم تختفِ؛ فما زالت هناك كتل سكانية كوردية ذات حضور ديمغرافي وثقافي واضح في مصر ودمشق، فضلًا عن امتدادات كوردية في السودان واليمن وفلسطين والأردن ومدن سورية أخرى. وهذا يؤكد أن الحضور الكوردي لم يكن طارئًا ولا معزولًا، بل جزءًا من حركة تاريخية واسعة، تركت آثارها في بنية المجتمعات التي وصلت إليها، ولا يستطيع القبيسي شطبها بجملة مرتبكة أو قراءة مبتسرة.
أما ربط تاريخ الكورد بالمؤرخ والعلامة (محمد أمين زكي) وحده، فليس سوى حيلة بالية أخرى يراد منها الإيحاء بأن التاريخ الكوردي صناعة حديثة. فمحمد أمين زكي، المولود سنة 1880 والمتوفى سنة 1948، لم يخلق التاريخ الكوردي من العدم، بل حاول جمع شتاته وقراءته في ضوء مصادر سبقته بقرون طويلة. والتاريخ لا يبدأ بالباحث الذي يدوّنه، بل بالوقائع والشعوب والجغرافيا والشواهد التي تسبق التدوين نفسه.
فكما أن تاريخ العرب لم يبدأ مع الطبري المتوفى سنة 923م، ولا تاريخ الفرس بدأ مع الفردوسي المتوفى نحو سنة 1020م، ولا تاريخ اليونان بدأ مع هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد، كذلك لم يبدأ تاريخ الكورد مع محمد أمين زكي. هؤلاء المؤرخون والشعراء والجامعون لم يصنعوا الأمم، بل دوّنوا شيئًا من ذاكرتها، كلٌّ بحسب عصره ومصادره ورؤيته.
لقد ورد ذكر الكورد في طبقات متعددة من المدونات القديمة والوسيطة، من الشواهد اليونانية والرومانية، إلى المؤرخين والجغرافيين المسلمين الأوائل. ولم ينتظروا محمد أمين زكي كي يكتشفوا وجود الكورد أو جغرافيتهم أو أدوارهم في التاريخ الإسلامي والسياسي والعسكري.
وفي العصر الحديث، تناول الكوردَ باحثون ومستشرقون ومؤرخون كثر من خارج الدائرة الكوردية، مثل فلاديمير مينورسكي، وباسيل نيكيتين، ومارتن فان بروينسن، وويل ديورانت، وغيرهم، ولم يكونوا بحاجة إلى اختراع شعب أو مجاملة قضية. فالشعب الذي تظهر آثاره في الجبال واللغة والقبائل والمدن والوقائع والسجلات، لا ينتظر مؤرخًا حديثًا كي يمنحه شهادة ميلاد. محمد أمين زكي كان حلقة مهمة في تدوين التاريخ الكوردي، لا بداية ذلك التاريخ، ومن يخلط بين التدوين والوجود إنما يكشف ضحالته لا غياب الكورد عن التاريخ.
ومن المفارقات التي تكشف عمق الاضطراب في خطاب القبيسي أنه يتحدث أحيانًا عن “أرض إسلامية”، وكأن هذه الصفة تُلغي هوية الشعوب التي سكنتها. فإذا كانت الأرض “إسلامية” بالمعنى الديني، فهل يعني ذلك أن الكورد ليسوا مسلمين؟ أم أن الإسلام صار، في منطقه، أداة لطمس الشعوب لا فضاءً جامعًا لها؟ إن هذا الخلط بين الدين والجغرافيا والقومية ليس خطأ عابرًا، بل جوهر الذهنية التي تريد ابتلاع الشعوب باسم خرائط سلطوية، ثم تقديم الابتلاع بوصفه تاريخًا، وهذه تعكس إما قمة الغباء الواثق من الذات، أو العنصرية السافرة، التي تخلق الجهالة المقنعة.
نقاء المختص يظهر حين يحترم مادته، ويخاف على الحقيقة من أهوائه، ويملك شجاعة الاعتراف بتعقيد التاريخ لا تسطيحه. أما أن تُستخدم اللسانيات لتزوير الدلالة، والجغرافيا لنفي الشعوب، والخرائط القديمة لتمرير أحقاد قومية حديثة، فهذا ليس بحثًا تاريخيًا، بل انتحال معرفي مغطى بلقب أكاديمي. وهنا لا يبقى أمامنا إلا أحد احتمالين: إما أن العنصرية غلبت الحقيقة في قراءته، أو أن جهله بالتاريخ الكوردي أعمق من لقبه، وأن معلوماته محصورة في مصادر لا يملك القدرة على معالجتها، حتى لو قدّمها بأسلوب سلس. فالسلاسة لا تصنع معرفة، واللقب لا يمنح صاحبه حصانة من الضحالة.
ومن المفارقات أن يستند إلى ابن حوقل لنفي الوجود الكوردي، ويتعامى عن ورود اسم الكورد وحضورهم في مصادر إسلامية مبكرة ومتعددة، ككتابات البلاذري – 892م في أخبار الفتوح، والطبري – 923م في تاريخ الرسل والملوك، والدينوري – 895م في الأخبار الطوال، واليعقوبي – 905م في التاريخ والبلدان، والمسعودي – 956م في مروج الذهب والتنبيه والإشراف، ثم عند جغرافيين كبار مثل ابن خرداذبه، والإصطخري، والمقدسي، وصولًا إلى ابن الأثير الجزري في الكامل. فهل كان كل هؤلاء يذكرون قومًا لا وجود لهم؟ أم أن المشكلة فيمن جاء متأخرًا، محمّلًا بأحقاد قومية حديثة، يريد أن يمحو شعبًا كاملًا باشتقاق لغوي سقيم أو قراءة مشوهة لخريطة قديمة؟، متناسيا أن ابن حوقل نفسه هو “النصيبيني”، أي ابن نصيبين، المدينة الواقعة في صميم الجزيرة العليا وعلى تخوم الجغرافيا الكوردية التاريخية. فهل يُعقل أن تُستعمل خريطة جغرافي من أبناء ذلك المجال، كتب في القرن العاشر الميلادي بروح الجغرافيا الوصفية، لإلغاء شعبٍ من أرضه بعد ألف عام؟ هذه ليست قراءة علمية لخريطة ابن حوقل، بل توظيف أيديولوجي متأخر لخريطة لا تقول ما يريدون تحميلها إياه.
يتبع…
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
1/6/2026 م