بين الواقعية والطموح: مراجعة ضرورية لاستراتيجية القوى الكردية في سوريا

شادي حاجي 
لم تعد التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة تسمح للقوى السياسية بالثبات على مواقفها السابقة، بل تفرض عليها مراجعات عميقة كشرط أساسي للاستمرار. وفي هذا السياق، تقف القوى الكردية في سوريا أمام اختبار حقيقي: إما التكيف مع الواقع الجديد ببراغماتية، أو مواجهة خطر تآكلها تدريجياً.
المشكلة لا ترتبط فقط بالعوامل الخارجية، بل تتجذر أيضاً في الداخل الكردي نفسه. فالانقسام المستمر بين القوى السياسية الرئيسية يضعف القدرة التفاوضية ويقوّض أي مشروع يسعى إلى شرعية مستدامة. ومن دون بناء شراكة داخلية حقيقية، تبقى أي طموحات سياسية عرضة للاهتزاز.
في المقابل، يبرز الحوار مع الدولة السورية كخيار واقعي لا يمكن تجاهله، ليس باعتباره تنازلاً، بل كإعادة صياغة للعلاقة على أسس جديدة. فالأفكار ، مثل الفيدرالية غير المتوافق عليها، تصطدم بحدود الواقع السياسي الإقليمي والدولي. لذا، يبدو أن الحل الأكثر قابلية للتحقق يكمن في تبني نموذج لامركزي موسّع يضمن الحقوق الأساسية دون إثارة حساسيات إقليمية.
غير أن الوصول إلى هذا الحل يتطلب قدراً كبيراً من الواقعية السياسية: قبول تسويات مرحلية، وتقديم تنازلات مدروسة مقابل تثبيت مكاسب ملموسة. فالسياسة ليست ساحة لتحقيق المثاليات، بل ميدان لتقليل الخسائر وتعظيم الممكن.
في النهاية، المراجعة المطلوبة ليست مجرد تغيير في الخطاب، بل إعادة بناء شاملة للرؤية والتحالفات والأدوات. والتحدي الحقيقي يكمن في تحقيق توازن دقيق بين الطموح والواقعية، بما يضمن الحفاظ على ما تحقق دون الانزلاق نحو مغامرات غير محسوبة أو جمود قاتل.
نحو مستقبل أكثر نضوجاً

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د . مرشد اليوسف التعليم ليس مجرد نقل للمعلومات، بل هو آلة إنتاج للوعي الجمعي والهوية. ولأن المجتمعات الحديثة لم تعد متجانسة، أصبحت السياسات التعليمية اختباراً حقيقياً لمدى التزام الدولة بالعدالة. في سوريا التي تضم مكونات كردية وعربية وسريانية وشركسية وتركمانية…الخ . فإن فرض لغة الأغلبية في التعليم يؤدي إلى تغريب الأقليات عن هويتها الأم بل يؤدي إلى ضعف الانتماء…

خالد جميل محمد يقتضي الإنصاف ألّا يستغرقَ حُكمُ “الانغماس في التوحش” المجتمعَ كلَّه، وألّا ينضويَ جميعُ أفراده تحت مظلة إطلاق هذا الحُكم، لكنّ غزارةَ مظاهرِ العنفِ والانتهاكاتِ المتعاقبةِ، والتجاوزِ اللامشروعِ لحدود المرء، والتمادي الفظيعِ الذي يمارسه معظمُ الناس، والتدخلِ السافر في الشؤون الشديدةِ الخصوصية، إضافة إلى “النهْيِ عن خُلُق والإتيانِ بمثله، بما هو عارٌ أثيمٌ على المرءِ إذا فَعلَه”، تُولّد…

كفاح محمود في الدول التي تتعدد فيها الهويات وتتشابك فيها الذاكرة السياسية، لا تُقاس “الشراكة” بالشعارات ولا بالمحاصصات، بل بقدرة الدولة على تحويل التنوع إلى نظام حكمٍ مستقر، وعلى جعل الدستور مرجعًا أعلى من إرادة السلاح والمصلحة الآنية، والعراق، منذ 2003، ظلّ يختبر هذه الفكرة على نحوٍ يومي: هل نحن أمام شراكةٍ اتحادية تُنتج دولة مؤسسات، أم أمام تسويةٍ هشة…

د. محمود عباس   غربي كوردستان بين انكماش الجغرافيا وضيق الفرصة السياسية. -1   لم يعد واقع غربي كوردستان يحتمل القراءة ذاتها التي كانت ممكنة في سنوات الصعود الأولى، حين بدت التجربة الكوردية وكأنها تنتقل من موقع الهامش التاريخي إلى موقع الفعل السياسي والعسكري، ومن ذاكرة الإنكار إلى حضورٍ فرض نفسه في معادلات الحرب السورية. لقد تغيّر المشهد بعمق، لا…