شادي حاجي
لم تعد التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة تسمح للقوى السياسية بالثبات على مواقفها السابقة، بل تفرض عليها مراجعات عميقة كشرط أساسي للاستمرار. وفي هذا السياق، تقف القوى الكردية في سوريا أمام اختبار حقيقي: إما التكيف مع الواقع الجديد ببراغماتية، أو مواجهة خطر تآكلها تدريجياً.
المشكلة لا ترتبط فقط بالعوامل الخارجية، بل تتجذر أيضاً في الداخل الكردي نفسه. فالانقسام المستمر بين القوى السياسية الرئيسية يضعف القدرة التفاوضية ويقوّض أي مشروع يسعى إلى شرعية مستدامة. ومن دون بناء شراكة داخلية حقيقية، تبقى أي طموحات سياسية عرضة للاهتزاز.
في المقابل، يبرز الحوار مع الدولة السورية كخيار واقعي لا يمكن تجاهله، ليس باعتباره تنازلاً، بل كإعادة صياغة للعلاقة على أسس جديدة. فالأفكار ، مثل الفيدرالية غير المتوافق عليها، تصطدم بحدود الواقع السياسي الإقليمي والدولي. لذا، يبدو أن الحل الأكثر قابلية للتحقق يكمن في تبني نموذج لامركزي موسّع يضمن الحقوق الأساسية دون إثارة حساسيات إقليمية.
غير أن الوصول إلى هذا الحل يتطلب قدراً كبيراً من الواقعية السياسية: قبول تسويات مرحلية، وتقديم تنازلات مدروسة مقابل تثبيت مكاسب ملموسة. فالسياسة ليست ساحة لتحقيق المثاليات، بل ميدان لتقليل الخسائر وتعظيم الممكن.
في النهاية، المراجعة المطلوبة ليست مجرد تغيير في الخطاب، بل إعادة بناء شاملة للرؤية والتحالفات والأدوات. والتحدي الحقيقي يكمن في تحقيق توازن دقيق بين الطموح والواقعية، بما يضمن الحفاظ على ما تحقق دون الانزلاق نحو مغامرات غير محسوبة أو جمود قاتل.
نحو مستقبل أكثر نضوجاً