الانغماس في التوحش

خالد جميل محمد
يقتضي الإنصاف ألّا يستغرقَ حُكمُ “الانغماس في التوحش” المجتمعَ كلَّه، وألّا ينضويَ جميعُ أفراده تحت مظلة إطلاق هذا الحُكم، لكنّ غزارةَ مظاهرِ العنفِ والانتهاكاتِ المتعاقبةِ، والتجاوزِ اللامشروعِ لحدود المرء، والتمادي الفظيعِ الذي يمارسه معظمُ الناس، والتدخلِ السافر في الشؤون الشديدةِ الخصوصية، إضافة إلى “النهْيِ عن خُلُق والإتيانِ بمثله، بما هو عارٌ أثيمٌ على المرءِ إذا فَعلَه”، تُولّد لدى الإنسان شعوراً بأن نسبة عظمى ممن يصنَّفون في قائمة الإنسانية، لَمّا يتجاوزوا صفة البشرية، ولا يزالون متلذّذين بحالة الوحشية التي يعيشونها على حساب ضحاياهم.
الدافع الرئيس لطرح هذه القضية، يتمثل في إدراكِ الحجمِ المخيفِ والخَطِرِ لسلوك كثيرين ممّن يُِنَظّرون في الإنسانية والعدالة والحقوق والقانون والصدق والوفاء، وهم أشدّ الكائنات انتهاكاً لأسمى قيم النُّبل والكرامة والشرف الإنساني، حيث تشهدُ كلُّّ لحظة من زمن مجتمعاتنا، أن كثيرين ممًن يتحدثون عن الوفاء، (لا الكلّ)، هم أشدّ الناس غدراً وخيانةً، وأن كثيرين ممّن يرفعون شعارات الصدق، (لا الكلّ)، هم أمثلة صارخة في الكذب، وأن كثيرين ممّن يتباهَون بتأدية صلواتهم في دور العبادة، يقترفون أفظع الخروقات بحق مَنْ / ما تنادي به دياناتهم وشرائعهم التي بها يؤمنون ويعتقدون، وأن كثيرين جداً ممّن يتحدثون في الحق والقانون والشرع والعدل والمساواة والحرية والفضيلة، هم قدوة لأمثالهم ومناصريهم والمستفيدين منهم، في انتهاك تلك القيم بفظاظة يَندر مثيلها، ويتعذر وصف قبائحها.
مجتمعاتنا، بنسبة عظمى من أبنائها، وهي أصلاً في جحيم الهلاك، تنحدر بشدة نحو هاوية التوحش والترهيب، فلا يكاد امرُؤ يمارس حقاً شخصياً، لا اعتداءَ فيه على خصوصيات الآخَرين، ولا على الحقّ العامّ أو الخاصّ، حتى يجد نفْسَه في مواجهة جيش من محترفي الشراسة والتهديد والانتقام، ولا يكاد يعبّر، بكلّ احترام وهدوء واتّزانٍ، عن خصوصيةٍ أو عن رأيٍ له، لا جَزْمٍ، في مسألةٍ، حتى يجدَ نفسَه أمام عصابات من منافقين يتقنون صناعةَ الشتائم وفنون الاتهامات، فيكفّرونه ويُخوّنونه ويبيحون هدْرَ دمِه وكرامتِه وشخصيتِه وسُمعته ورِزقه ومعيشته وهناءته، ولا يكاد يسلك سبيلاً خاصاً به في الحياة أو السياسة أو التفكير، حتى يسعى معظمُ المختلفين معه، (لا الكلّ)، إلى معاداته وإكراهه على الصمت أو الرضوخ والاستسلام والندم على ما جَنى من اختلاف وتميّز وخصوصية لا إساءة فيها إلى سِواه، سوى أنها ممارسَةٌ لِما يتوافق مع تطلعاتٍ أو آراء قد تكون صحيحة أو خاطئة، لكنها لا تستدعي كل هذا العداء والضغينة والكراهية.
هذه كلها إرهاصاتُ واقعٍ ينحدر بشدة، بشدة مرعبة، نحو هاوية الانغماس في التوحش، دون أن يكون ثَمّةَ رادعٌ اجتماعي أو خُلُقيّ أو وجداني أو سُلطوي أو قانونيّ، يَحُدّ من تمادي كثرةٍ منافقة باطلةٍ معتديةٍ من الناس، ضدّ قِلّة تتقي شرَّ تلك الكثرة المنحرفة عن سَواء السبيل، قِلّة تحترز من تضاعف توحش كثرةِ ضالّةٍ تنتعش بالفوضى والفَلَتان، بغياب سُلْطة العدالة والقانون والضمير.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شكري بكر أظن أن جميع مكونات المجتمع السوري يتمتعون بإرادة وطنية بإستثناء المكون العربي منه ، لإدعا بأنه يشكل الغالبية العظمى من المجتمع السوري ، وهذا خطأ يقع فيه المكون العربي . لو عدنا إلى تاريخ القديم نرى بأن الوجود التاريخي لمكون العربي في المنطقة بجانبه القومي والديني لم يذكر في السجلات التاريخية . لدى البحث نرى بأن العنصر العربي…

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…