د. مرشد اليوسف
على مدى عقود، تربّى الكرد في سوريا وتركيا على فكرة أن “الحزب” هو بوابة الخلاص. وكل حزب كان يحمل وعداً بالاعتراف بالإستقلال ، بالحكم الذاتي …الخ .
ولكن اليوم، وبعد عشرات الآلاف من الشهداء والمعتقلين ، يقف شاب كردي من قامشلو أو ماردين ليقول بوضوح : “الأحزاب خذلتنا”. السؤال لم يعد عن الحزب الأكثر كفاءة ، بل :
هل صار الحزب الكردي نفسه جزءاً من المشكلة؟
في تركيا:
بدأت القضية الكردية كمطالبة بالحرية والاستقلال ، ثم تحولت إلى مواجهة مسلحة ، ثم إلى الأمة الديمقراطية ثم إلى السياسة الديمقراطية .
وحزب العمال الكردستاني وغيره من الكيانات السياسية حاولوا أن يكونوا صوت الكرد .
لكن التركيبة الداخلية تغيرت بسبب الوعود الحكومية بحلول سياسية (كعملية الحل في عهد أردوغان ما بين 2009-2015) .
واليوم، كثير من الكرد في تركيا يعيشون في مدن كبرى مثل إسطنبول وأنقرة، وانخرطوا في الاقتصاد والمجتمع المدني، لكن الأحزاب السياسية الكردية مازالت تعيد أخطاء الماضي بين الخطاب المتشظٍ، والقيادات المتقادمة، وفقدان التواصل مع الجيل الجديد الذي فقد الأمل بالمواجهة المسلحة ولا يقبل بتبعيته كليا لخطابات الحركة الام .
وأصبحت هذه الأحزاب ، من وجهة نظر الشباب الكردي، عبئاً يمنعهم من أن يكونوا مواطنين عاديين لا “أقلية تحت الوصاية”.
والتناقض الأساسي موجود في الجانب التركي .
فأردوغان يقدّم نفسه كحامي الوحدة التركية، لكن حساباته مع الكرد تتغير حسب المزاج السلطوي والانتخابي .
و لا أحد يتوقع منه ثورة في السياسات ، لأن هوية “حزب العدالة والتنمية” تقوم على قاعدة قومية محافظة لا يمكنها أن تمنح الكرد حقوقاً جماعية حقيقية .
سوريا :
على الجانب السوري، ومع انهيار نظام الأسد وصعود الإدارة الجديدة (تحت رئاسة السيد أحمد الشرع)، كان يمكن للأحزاب الكردية أن تلعب دوراً تفاوضياً بارعاً. لكنها بدلاً من ذلك بقيت أسيرة انقساماتها العقيمة: “المجلس الوطني الكردي” مقابل “الإدارة الذاتيةالديمقراطية ” ….الخ .
وصار الكردي العادي خارج مناطق النفوذ هذه لا يحصد سوى خيبة الأمل .
والأخطر من ذلك أن الأحزاب الكردية فشلت في بناء مشروع سياسي شامل لا يعتمد على الغطاء العسكري الأمريكي (في الشرق السوري) .
فعندما بدأت واشنطن تُظهر بروداً تجاه القضية الكردية في سوريا، انكشفت هشاشة الوضع الكردي .
والرئيس أحمد الشرع الآن امام فرصة تاريخية : إذا نفّذ وعوده بدمج الكرد بخصوصيتهم في الدستور الجديد، ومنحهم حقوقاً لغوبة وثقافية معترفاً بها، فسيحقق ما عجزت عنه كل الأحزاب الكردية خلال نصف قرن. لكن الرهان يبقى صعباً :
هل بيئة سوريا الجديدة قادرة على احتضان تنوعها ؟
هل يستطيع الرئيس الشرع أن يكون “الاستثناء” الذي يمحق عقدة علاقة المركز بالأطراف؟
والخلاصة النقدية
هي أن لا حلّ بتفكيك الأحزاب الكردية والعودة إلى الصفر ، كما لا حلّ بالبقاء أسيراً لقيادات فارقت الواقع .
الذي يحتاجه الكرد اليوم في كلا من تركيا وسوريا هو :
1- نقد جذري للأحزاب من الداخل ، إما إصلاحها أو تجاوزها إلى كيانات مدنية وسياسية غير تقليدية .
2- تغيير الأولويات من “الكيان المستقل” المستحيل إلى “المواطنة المتساوية” الممكنة، مع الضمانات اللغوية والثقافية القابلة للتطبيق .
3 – الصحوة على المتغيرات – العالم لم يعد يتحمل حروباً بالوكالة لأجل حدود وهمية، والكرد جزء من نسيج دولهم مثل أي مكون آخر .
وضمن هذا السياق فإن أمام الرئيس أحمد الشرع فرصة ليكتب بصمة تاريخية ، لكن المطلوب أيضاً أن يكتب الكرد أنفسهم فصلاً جديداً لا يمليه عليهم حزب متعب ، بل يختارونه كمواطنين يريدون العيش بكرامة وخصوصية في أوطانهم.
هل سيحدث ذلك؟ لا أحد يعرف ، لكن اليقين أن من لم يمت أمس، لا ينتظر الغد من نفس الباب .