محمد السليمان
يراود الكثيرون اسئلة مبهمةحول اهمية مضيق هرمز سأحاول اسال واجيب خلال مقالي هذا……
المقدمة: نقطة اختناق تتحكم بمصير الاقتصاد العالمي
في بقعة لا يتجاوز عرضها 33 كيلومتراً، تتلاقى مصائر الدول العظمى واقتصادات الأسواق الناشئة. هنا، في أضيق نقطة من مضيق هرمز، يمر يومياً ما يعادل خمس الاستهلاك العالمي من النفط وثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال. لكن ما يجعل هذا الممر المائي أكثر إثارة للقلق ليس فقط حجم التجارة التي تعبره، بل هوية من يتحكم بمفاتيحه. فلماذا إيران بالذات هي من تمتلك هذا النفوذ الجيوسياسي الهائل، وليس دول الخليج الغنية أو العراق؟ هذا ما سنوضحه.
أولاً: حدود المضيق وأهميته الاقتصادية – أرقام لا تحتمل التكهن
يقع مضيق هرمز كحلقة وصل وحيدة بين الخليج العربي وخليج عُمان والمحيط الهندي. تشاركه في حدوده إيران (شمالاً وشرقاً) من جهة، وسلطنة عُمان والإمارات من جهة أخرى. لكن أهميته تتجاوز الجغرافيا بكثير:
· طاقة العالم: تشير الإحصاءات إلى مرور ما بين 20 إلى 21 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما بين 20% إلى 30% من النفط المنقول بحراً.
· غاز عالمي: يعبر المضيق حوالي ثلث إنتاج العالم من الغاز الطبيعي المسال، خاصة القادم من قطر.
· بضائع واستثمارات: يمر عبره نحو 11% من حجم التجارة العالمية الكلية، وحوالي ثلث أسمدة العالم.
باختصار، أي انسداد في هذا الممر سيؤدي فوراً إلى انهيار في سلاسل التوريد وقفزة جنونية في أسعار الطاقة.
ثانياً: اللغز الجيوسياسي – لماذا إيران وليس غيرها؟
هنا يبرز السؤال: لماذا تحتكر إيران هذا النفوذ ولا تمتلكه دول الخليج أو العراق؟
1. الجغرافيا التي لا تغش:
يمتلك الساحل الإيراني امتداداً يسيطر على كامل الجانب الشمالي للمضيق، بما في ذلك أضيق نقطة (33 كم) حيث لا يزيد عرض الممر الآمن عن 3.7 كم. علاوة على ذلك، تنتشر في مياه المضيق جزر إيرانية استراتيجية (مثل قشم وهرمز)، تعمل كنقاط عسكرية متقدمة وقواعد لوجستية، وكأن إيران تمتلك “شرفة إشراف” طبيعية على كل سفينة تدخل أو تغادر.
2. عقيدة عسكرية غير متماثلة:
لا تمتلك إيران أقوى أسطول في المنطقة، لكنها طوّرت تكتيكات تعتمد على الزوارق السريعة، والألغام البحرية، والصواريخ الساحلية المضادة للسفن، وهي أسلحة مثالية في المياه الضيقة. هذه الاستراتيجية لا تهدف بالضرورة إلى إغراق أساطيل العدو، بل إلى “رفع التكلفة”: تخويف شركات التأمين، وزيادة أقساط التأمين على الناقلات، وتعطيل الحركة دون حرب شاملة.
3. القانون الدولي بين النظرية والتطبيق:
وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، يعتبر المضيق ممراً مائياً دولياً يحق لجميع الدول المرور عبره بحرية. لكن الحقيقة أن تنفيذ هذا الحق يتوقف على الإرادة الإيرانية عندما تشتد الأزمات. لطالما هددت طهران بإغلاق المضيق كورقة ضغط في الملف النووي أو رداً على العقوبات، مما يكشف الفجوة بين الشرعية الدولية والقدرة الميدانية على فرض السيطرة.
وماذا عن الآخرين؟!
· دول الخليج العربي: تقع على الضفة الجنوبية الغربية، لكن ممرات الملاحة الرئيسية تبتعد عن سواحلها، ولا تملك أي منها جزيرة استراتيجية تعيق الملاحة.
· العراق: ساحل قصير في أقصى شمال الخليج، ولا يمكنه التأثير على حركة السفن في مضيق هرمز إطلاقاً.
· سلطنة عُمان: تملك جيباً استراتيجياً في شبه جزيرة مسندم، لكن عُمان تلتزم بسياسة الحياد والقانون الدولي، ولا تسعى إلى أي مواجهة.
الخلاصة: المضيق ليس مجرد ماء، بل ورقة ضغط عالمية
في المحصلة، مضيق هرمز هو نموذج حي لصراع “الجغرافيا مع القوانين”. إيران لا تملك الحق القانوني في إغلاقه، ولكنها تمتلك القدرة الفعلية على تعطيله حين تشاء. وهذا هو سر قوتها: أنها تجلس على نقطة اختناق واحدة تستطيع من خلالها أن تجعل العالم كله يحبس أنفاسه. بينما تبقى باقي الدول إما مشاهداً عاجزاً أو ملتزماً بالقواعد، تبقى إيران اللاعب الذي لا يمكن تجاوزه، حتى جاءت الحرب على غزة والحوثيين لتظهر أن التهديدات لم تعد حصرية على ايران فقط، فالحوثيون الذين يسيطرون على السواحل اليمنية باتوا يهدون سفن الاحتلال وأمريكا وإنجلترا في البحر الأحمر والمحيط الهندي وخليج عدن وباب المندب، وباتوا فاعلين مؤثرين جداً في معادلة الملاحة العالمية.
رأي الخبراء
يشير محللون إلى أن إيران لن تغلق المضيق بالكامل أبداً، لأن ذلك يعني حرق الورقة الرابحة إلى الأبد. وبدلاً من ذلك، ستبقى تلوح بالتهديد لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، وهذا وحده كفيل بإبقاء أسعار النفط مرتفعة وأعصاب الأسواق العالمية متوترة.
الخاتمة:
يبقى مضيق هرمز أكبر دليل على أن العالم لا يزال أسير نقاط مائية ضيقة، وأن السيادة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين لا تكمن فقط في حاملات الطائرات، بل أحياناً في جزيرة صغيرة تقع في المكان “الخاطئ” بالوقت “المناسب”.